لبنان يتدخل عبر حزب الله وميليشياته بما لم يتبقَ له من صيت “مقاومة” تدحرجت في 7 أيار في شوارع بيروت، وترنحّت في الجبل، وها هي “غرقى” في الصراع المندلع بين الشعب العربي السوري وبين النظام المدعوم من بلاد الفرس وبلاد ستالين وبلاد ماو تسي تونغ!
كأننا دولة صغرى “بسلاح” هائل. أو شعب صغير اختُزِل بين ليلة وضُحاها في فِرَقٍ متقاتلة، تحتل أراضيَ وقرى في دولة شقيقة. أي من بلاد كان جنوبُها محتلاً إلى أخرى انتقلت من “التحرير” إلى الاحتلال. لعبة الأدوار؟ ربما! لكنها لعبة مزيفة بلا أبطال. فحزب الله عندما يُصرِّح، بألسنته الشتّى ويُلَوِّح بأصابعه المتكاثرة بوجوب “النأي بالنفس” عما يجري في سوريا.. كان علينا أن نصفق له، افتخاراً (!) بحرصه على عدم زج لبنان في ما يجري في سوريا.. وعندما جهر بالتكليف “الإلهي” بإرسال مقاتليه تحت شعار “الواجب الجهادي” كان علينا أيضاً جميعاً أن نصفق له في موقفه “العروبي” “الوطني” المستقل! وها هو السيد حسن نصرالله في لقائه التلفزيوني الأخير قبل بضع “ليال” يؤكد ما سبق أن نفاه.. ثم يؤكد ما سبق أن “أكده”. فالواجب الجهادي تحول إلى واجب شمولي، عالمي، قومي (فارسي) ولم يعد مجرد دفاع عن اللبنانيين (الشيعة) الموجودين داخل الحدود السورية… ولا عن مقام السيدة زينب.
كشف “السر” المكشوف! والجميع كان يعرف ما وراءه. إنه أي “حزب الله” لن يسمح بسقوط “سوريا” بالتضامن، والتكافل والتواطؤ والانسجام مع أصدقاء سوريا الكثر في العالم. لم يأتِ على ذكر العرب. ولا حتى على كلمة “عربي” في خطابه.. ربما لأن سوريا باتت الولاية الخامسة والثلاثين بعد أن “صُيّر” لبنان في المرتبة الرابعة والثلاثين، والبحرين في الثالثة والثلاثين في الولايات المتحدة الإيرانية. تراجعت ذريعة “حراسة” مقام السيدة زينب التي لم تقنع أحداً من أولويات الأولويات.. إلى عنصر إعلامي “تقني” موجه إلى “بيئة” مفجوعة بأبنائها الذين يتساقطون في المعارك مع الشعب السوري.. دفاعاً عن ما تبقى من النظام. فالترَحُّم واجب وأجمل من “الواجب الجهادي” والدمعة في هذه الظروف أصفى من كل هذا الكلام المُعَلَّب المكرر.. الموروث، بذرائعه من أنظمة عربية وغير عربية، طاغية لم تعد علينا بغير الويلات “أصدقاء سوريا لن يسمحوا” تعني بالنسبة إلى “الحزب” سوريا “البعث. كما أن إيران هي ولاية الفقيه. كما أن روسيا هي بوتين.. وفي مثل هذه الوقائع والفجائع يُصبح الشعب مجرد ديكور تلفزيوني أو مسرحي.. أو “فُرجوي” هش. ديكور يمكن أن تغير وظائفه وأمكنته بما يتلاءم ومتطلبات العرض والشعب اللبناني عاش هذا الدور “الديكوري” قرابة خمسين عاماً.. تارة بسيناريو إسرائيلي وأخرى سوري أو عراقي (صدام) أو ليبي (القذافي) أو أميركي.. واليوم إيراني! وها هو في دوره المختزل يُبرّجَ بالمساحيق الإيرانية وبهرجاتها ويحمل سلاحها… ويُلقّن لغتها وخطابها. فلبنان أيضاً صار “حزب الله”. فمن الطبيعي إذاً أن ينتظر دائماً قرارات المرشدين “المُرسلين” والسفراء المبعوثين… وكذلك فتاواهم وأوامرهم “العلية”… ويبصم عليها. لم يسأل حزب الله أحداً عندما قدّم الذرائع في حرب تموز إلى إسرائيل لتدمر ما دمرته، وتقتل من قتلته… لا لشيء لأنه “الحاكم” الآمر الناهي المنتدب من إيران لرعاية “مصير هذا البلد، كما هي ميليشيات السبعينات، ومساءلته ممنوعة، تندرج في “المحرمات”، وتُحشر في خانات “الخيانة” وخدمة “العدو” ومن تريدونه أن يسأل: رئيس الجمهورية؟ أم قيادة الجيش؟ أم البرلمان؟ أم الحكومة؟ أم الشعب.؟ أم حتى بيئته… وهي كلها ديكورات اختار لها مواقعها وأزمنتها وحضورها بالسلاح والتهديد والاغتيالات! فهذه كلها من التوابع. لا من الموانع! ومن الذرائع لا من المراجع! (الوطن، الذريعة، والشعب الذريعة أي الشعب المشّيء، الهيولي، أي الملغى) الحزب حل محل كل شيء. وعندما تُلعلع أصوات الحزب بالثلاثية المسرحية الهزلية “الشعب، الجيش، المقاومة” فتعني: مثلت الزوايا “الحزب، الحزب، الحزب”. هذا المنطق الاختزالي سمعناه من قبل في تظاهرة “الشكران” وتظاهرة وداع الجيش السوري في جلائه عن لبنان عندما أعلن السيد حسن نصرالله “شكره” وتحياته لسوريا “الأسد” شعباً ونظاماً وحكومة… وطبعاً جيشاً الذي كان عندنا بدلاً من أن يكون في الجولان. لقد فصّل الأمين العام للحزب تأييده، لكنه آنئذٍ (كما دائماً) كان يقصد النظام البعثي الذي يختصر كل شيء أي نظام الأسد. في خطاب السيد نصرالله الأخير غابت عبارة “الشعب” عن كلامه. وبدلاً من التحايا إلى النظام… والشعب والحكومة اختصرها بسوريا القائد! قال “لن نترك سوريا تقع في أيدي أميركا وإسرائيل: وأصدقاء سوريا.. كثر!” (أين؟) .. عال! ربما ومن باب الاختصار قصر الشعب السوري على حفنة “التكفيريين”: فالشعبُ المُغَيّب حاضر تكفيرياً فقط! وأصدقاء سوريا… يعني أصدقاء النظام! أما الشعب فلم يعد موجوداً بالنسبة إلى حزب الله حتى كديكور فهذا الحزب لا يتعامل مع الشعوب لأنه ضدها، ولا مع الإرادات الشعبية لأنه بلا إرادة ولا مع أحلامهم لأنه بلا أحلام تماماً كما هي حاله مع إيران. فهو انحاز إلى نظام ولاية الفقيه عندما بطش بالثورة الخضراء في بلاده وقتل الكثيرين من المتظاهرين… وسجن قادة الانتقاضة. فالحزب ثابت على مواقعه. ومن “ساواك بنفسه ما ظلمك”: فالحزب أصلاً هو ديكور. مجرد ديكور “إيراني”. ولا يرى الأمور والحالات إلا بصفاتها “الديكورية” والديكورات لا تتفرّج إنما الجمهور هو الذي يتفرج. ولهذا على الشعب أن يكون متفرجاً.. لتحكمه الديكورات! ونظن أن كل نظام يستولي على السلطة بالقوة والبطش والإرهاب هو “ديكور”… مجرد ديكور ثابت! وحزب الله لا يتصرف على غير ذلك. وهذا بالذات، ما هَدَم أنظمة الطغاة في تونس، مصر، ليبيا، والآن في سوريا: لأنها “ديكورات”… وإن طال “مكوثها”! سقطت بلا أسف. كخِرَق ومزِقٍ تتطاير مع نهاية مسرحية تراجيكوميدية! والجيوش التي تلتحق بهذه الأنظمة لا تعدو كونها جيوشاً من ديكورات تتهاوى عند أول تجربة حيوية.. ديكورات و”مشخصيات” لا تجيد سوى القيام بوظائف “حراسة” الأنظمة! أي جيوش في خدمة السلطة. لا الشعب. لا الحدود. لا الوطن. لا الديموقراطية. أي أقل من ميليشيات! والدليل الصارخ أن الجيوش السورية، أو ما تبقى منها، تريد أن تهزم شعبها لا إسرائيل المحتلة. وها حزب الله يُستجلب أو يُستدعى اليها كأنما بمذكرة أو بأمر عمليات وكذلك فيالق القدس والنصر من إيران والعراق… صارت جيوش النظام. وها هو دور “حزب الله” كدور ميليشيات السبعينات مجرد دور، عدواني، يلبي مشيئة إيران. لا أكثر ولا أقل. بل ويمكن القول إن “هوياته” اللبنانية والعربية وحتى الإسلامية… قد تبددت أو تحولت عناصر مبهمة أو مفردات لا رابط بينها ولا أدوات وَصْلٍ! وهنا بالذات تتبدل معاني “الجهاد” و”البطولة” والتحرير.. والموت والشهادة. فالحزب الذي “يلغي” الشعب كمكون أساسي من حساباته، (العقل الكانتوني إلغائي لدور أي شعب) يلغي نفسه، كطرف له مقوماته التاريخية الخاصة. وهنا نتساءل: أي واجب جهادي هذا الذي يعادي الشعب! فحزب الله ألغى الشعب السوري رمزياً عندما استلحقه بالنظام، وها هو يعمق الغاؤه له “مادياً” ووجودياً عبر محاربته. أو قتله. وهنا بالذات يبرز عدم جدوى “الدعاوى” الغيبية والأيديولوجية التي تقوم على قطع أواصر الإيمان بالجموع: فأي فتوى أو واجب، أو تكليف يمكن أن تسوغ عندما تزهق الأرواح أو ترى اليها عناصر عدمية أو استخدامية، أو وسائل لا يستوي وجودها إلا في عدم وجودها. وهذا ما يعني أن تكون مجرد وقود وركام وهشيم وكائنات مفرغة تحركها أيدي الأنظمة والطغاة. فالسيد حسن نصرالله كأنه أكدّ لنا أن ليس في “سوريا” سوى النظام فقط. لا أرضَ سورية (وقد استباحها كما استباحت إسرائيل لبنان، كما استباح التحالف الأميركي الإيراني العراق!) ولا تاريخ (يبدأ تاريخ هذا البلد العريق مع البعث، وينتهي معه) ولا شعب (إنه شعب النظام، أو سوريا الأسد. كما إيران هي إيران الولي الفقيه). ونظن أنه عندما يخاطب نصرالله الناس من وراء الشاشة أو مباشرة لا يرى في القوم أو أبعد منهم، مناصرين أو غير مناصرين سوى كائنات لا تنتمي إلا اليه. أو الى حزبه. لا الأرض ولا السماء ولا الوطن ولا الدولة. إنهم “قوم” الحزب “شعبه المختار”. كما سوريا للأسد! وعراق صدام وليبيا القذافي. ومن هذا الإطار فهو بيبح لنفسه أن يلقنهم، أكثر ما يريد أن يحاورهم. هذا هو المونولوغ. وهو يريد أن يبتلعوا ما يقوله اليوم وينفيه غداً.. ثم يعيد قوله بعد غدٍ، بآذان لا تصغي سوى اليه وبأفواه لا تهتف إلا له. وبعيون لا ترى إلاه! وهنا بالذات يتم إلغاء “البيئة الحاضنة” فتصبح “البيئة المحضونة” وهنا ينكر مفهوم أن تكون البيئة جزءاً من كل. بل هي جزء منه وكلُّ “صوفي” منه. أي مقتطعة بحواسها ولحظاتها وزمنها وحتى تاريخها وجغرافيتها عن كل ما يحيط بها لتكون جسماً واحداً أصم مُغلقاً، مُدوزناً، يبقى على غير اعتراض أو حتى تساؤل: إنه الإيمان. يريد حتى من بيئته أن تكون مؤمنة به إيماناً مطلقاً لا يشوبه منطق أو وعي، أو استفهام أو تعجب أو اعتراض أو حتى صمت مريب… كما هو إيمانه المطلق بأربابه. فالطائفة الحاضنة محضونة. واجبها الإيماني هو الطاعة والقبول. والخروج على ذلك يعني كأن تخرج على مشيئة إلهية أو كأن “تُشرك” أو أن تشكك بوحدانية الله الذي انتحل الحزب اسمه، وإلا فبئس المصير… وبئس جهنم وبئس النار “الحرور” والعذاب الأليم.. والخيانة الكبرى. لكن الحزب وبسلاحه وبماله وجنونه يتمدد ليصبح لبنان كله “بيئته المحضونة” (تماماً كما حاولت إسرائيل وقبلها دول الانتداب والاستعمار.. من دون أن ننسى “سوريا والأسد من الأبد إلى الأبد” وها هو في “أطماعه التوسعية” (كإسرائيل) يحاول أن يتمدد من بيروت إلى العاقورة، إلى كسروان، إلى الشمال، إلى عكار، إلى بعلبك كالاخطبوط ليكمل حدود ولاية الفقيه بمرشد تابع أشبه بالقندلفت في القداديس المسيحية! لكن تجري والرياح بما لا تشتهي صواريخ الحزب والنظام السوري وإيران. صواريخ سكود. أو براميل متفجرات. أو طائرات. أو مجازر.. كلّها لم تغير مسار الشعب.. ولا “مسار” الحزب التابع دونكيشوت إيران بكل حول وبكل قوة. وهذا ما يفسر غياب أي ذكر لكل الضحايا الذين سقطوا في سوريا (حتى منهم ضحايا الحزب) ولا دمار المدن والمقامات الدينية والجوامع والكنائس والمدارس والمستشفيات ولا أسف ولا دمعة ولو تلفزيونية. ولو مسرحية. ولو سينمائية على ما وقع هناك. ذلك لأن الحزب لا يعرف الناس لكي يتأسف عليهم ولم يبنِ مدناً لكي يرثيها حزناً. ولم يعمر حواضر لكي يحميها. يكفي أنه اختار “المقامات” المقدسة (الشيعية فقط) غير المهددة، وتغاضى عن تدمير المقامات التي دمرها النظام تدميراً منهجياً. ولا كلمة يا سيد حسن عن هؤلاء النازحين؟ ولو! لأن الحزب “يُنتج” نازحين وهو لا ينزح. عنده من ينزح من اللبنانيين (حرب تموز) مكانه: أهل الجنوب… وسواهم. هو يعاين النازحين بلا رحمة! أي كديكورات لمسرحياته. وكذلك الضحايا (3436 ضحايا وجرحى حرب تموز) ومع هذا انتصر “المخرج”. فالخراب العميم جزء من النصر الإلهي. وخسارة لبنان وانتصار الحزب كخسارة الحروب العربية وانتصار الأنظمة. المهم في كل ذلك أن يعرف الحزب كيف يقدم “انتصاره” الإلهي المبين الى إيران وسوريا.. تعبيراً عن فروض الطاعة والامتثال. فهو أولاً وأخيراً (كمعظم ما شهدنا من مقاومات لبنانية وشعبية وعربية) حزب الإيمان: والإيمان كما هو معروف من فعل الطاعة. لكن حزب الطاعة أغرقته طاعته هذه المرة. تحولت “جنوناً” أو فصاماً.. أو شيزوفرانيا لأن التاريخ يتغير. والأدوار تتغير. وإن الشعب العربي (وغداً الإيراني بلا ريب!) بات يرفض أن يكون ديكوراً.
سؤال أخير الى السيد حسن.. وهل منع أصدقاء شاه إيران السابق سقوط نظامه أمام الثورة الشعبية العارمة؟
