#adsense

عن وهم كبير اسمه «حريّة التعبير»!

حجم الخط

الحديث عن شجون وشؤون الصحافة و»حرية التعبير» يشبه «ملهاة» إغريقيّة «مأسوية»، لا أحد فضح خدعة كبيرة اسمها الصحافة كما فعل الفنان الراحل شوشو في آخر مسرحياته العام 1974 «شحادين يا بلدنا»، بل فضح بلاداً بأمها وأبيها تعيش على الهبات و»المعونات» الصديقة و»المكرمات»، وقد يكون الحديث عن القيود والحدود والممنوع والمسموح أجدى بكثير من الترويج لخدعة نرتكبها بحقّ قارئ هو أيضاً فاقد لـ»حريّة التعبير» لأنه واقع تحت ضغوط كثيرة، عنوانها الأكبر والأبلغ هو «الخوف على لقمة العيش»، تحكمنا سلسلة طويلة من «الخوف» تتفاوت في حجمها من إنسان إلى آخر، تستدعي أن نصارح أنفسنا قبل من يقرأنا بأننا نشبه بعضنا وأن هذه السلسلة معقّدة إلى حدّ كبير يفضح معه «ضمائرنا» التي ترزح تحت عبء عبوديّات كثيرة لا يرفع أثقالنا عنّا سوى إيماننا بالله وقدرته من فوق الجميع.

ثمّة وضوح في رؤية الإنسان لنفسه سيكون صعباً عليه أن يصارح به نفسه، فلا المرائي يعترف بمراءاته، ولا الكاذب بكذبه، ولا الخائف بخوفه، ولا المنافق بنفاقه، ولا الذي ينتقل من مرحلة إلى مرحلة فيركب موجة المنتصر والتغيير الذي طرأ فيسابق لينافح عنه وينظّر له، قد يكون أسوأ ما علينا الاعتراف به هو انتفاء المبادئ التي نحتاج أن تكون ثوابت نستمدّ منها ثقتنا بأنفسنا وبالناّس، فالنّاس أساساً لهم فيما يعشقون مذاهب.

وفي خضمّ هذا الصراع الكبير الذي تعيشه المنطقة نجد أنفسنا واقعين نتأرجح بين فريقين يطحنان بعضهما البعض، والغلبة ستكون لواحد منهما، ولكن ـ من تعلّم من التجارب عبر التاريخ ـ سيدرك لاحقاً أن التصدّع والتشقّق والتنازع أو التحكّم بالرأي أو الرغبة بفرضه على الآخر تدقّ المسمار الأخير في نعش المنتصر منذ ادعائه أنه المنتصر، هذه الثورات التي تعصف بالمنطقة ستنتهي إلى مشهد مفزع تفرّق الفرق، أو ما اصطلح على تسميته في السياسة «الثورة تأكل أبناءها»، أو ما عبّرت عنه الأمثال الشعبية «إذا إجى الطوفان حطّ ابنك تحت إجريك»!!

عبر التاريخ كلّ رفاق الثورات «قتلوا بعضهم بعضاً» تحت مسمّى «حماية الثورة»، ولكن المسألة الحقيقيّة هي الصراع على السلطة وخنق حرّية التعبير، لا أحد يملك أدنى استعداد لسماع الرأي الآخر، بل يرفض أدنى وجود للرأي الآخر، حتى في الأديان، ليس هناك فريق ثالث، فالأمر منحبس بين اثنين «مؤمن وكافر»، وبين الاثنين «أسهل الأمور التكفير»، هي خدعة تتكرّر منذ مئات السنين تحت عناوين مختلفة أحدثها «حريّة التعبير»، والمشكلة ليست في «التعبير» بل في مفهوم كل فردٍ للحريّة!!

قد يكون أفضل تعبير عن المناسبة التي نتسابق فيها للتشدّق بالحديث عن التعبير وعن حريته هو أغنية شوشو فالحال أصبح أسوأ بكثير ممّا كانت عليه في سبعينيات القرن الماضي والمنطقة كلّها ترزح تحت عبء الأغنية التي تصلح أن تكون نشيد الحريّة و»حريّة التعبير» في العالم العربي:

شحادين يا بلدنا/ قالوا عنا شحادين/ نشالين يا بلدنا/ قالوا عنا نشالين/ محتالين يا بلدنا/ قالوا عنّا محتالين/ ونحنا مين يا بلدنا/ نحن شوية مساكين/ مظلومين يا بلدنا/ أيه وحياتك مظلومين/ عطشانين يا بلدنا/ والمي بخمس وستين/ جوعانين يا بلدنا/ وما عندنا رز ولا طحين/طفرانين يا بلدنا/ وبالتعتير مليانين/ محتارين يا بلدنا/ ليش منشكي محتارين…

أراضينا للبيع/ للأغراب  يا بلدنا/ جرايدنا للبيع للسفارات/ يا بلدنا/ ضمايرنا للبيع/ للجواسيس يا بلدنا/ على أونا/ على دوّي/ على تري/ مين بدو يشتري مين/ نحن يا أهل المروة/ زبون العوافي ناطرين/ وزرا ونواب للبيع/ مدراء وحجاب للبيع/ شعرا وكتاب للبيع/ كلو كلو للبيع»، تستحق اللحظة التي تعيشها أن نقرأها في ضوء «حرية تعبير» هذه الأغنية التي تعرّي حقيقة وهم كبير اسمه «حرية الصحافة» و»حرية التعبير»، على أن نأخذ في الاعتبار أن شهداء الصحافة في أيار العام 1916 انقسم الناس بالرأي فيهما إلى فريقين «شهداء» و»خونة»!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل