لا ينقص المسيحيّين، بجناحيْهم الشرقي والغربي، الوعي لقانون إيمانهم ومعنى القيامة والخلاص بالمفهوم الديني الكنسي الليتورجي ، لكنّ النقص يطاول مفهوم وجودهم وكيانيّنتهم ورسالتهم ، لدى شرائح منهم .
على مرّ القرون وتبدّل الأمم والحكّام والأنظمة والسلطات والإضطهادات والضغوط ، لم تظهر بين المسيحيّين في لبنان والمشرق فئة تُتقن استخدام التخويف كرافعة سياسيّة ، كما هو حاصل اليوم.
فهذه الفئة المرتبطة بمشروع سياسي قائم على خلفيّة جمع الأقلّيات وزجّها في مواجهة الأكثريّة ، تكاد تضع مسيحيّي الشرق في فوهة المدفع وخارج حركة التاريخ ، خلافاً لكلّ التراث المسيحي المشرقي وللرسالة المسيحيّة الحقيقيّة التي جدّدها الإرشادان الرسوليّان في السنوات الأخيرة .
ولا يخفى أنّ هناك صراعاً بين هذه الفئة المكلّفة بوظيفتها ” تكليفاً شرعيّاً ” ، وبين حالات واعية ووازنة في الوسط المسيحي الكنسي والمدني تتكامل بين لبنان وسوريّا على الأقلّ .
وقد بدأت هذه الحالات السليمة في إثبات حضورها لمنع انزلاق المسيحيّين إلى المشروع المدمّر الذي تقوده طهران عبر قوسها الضارب من قمّ إلى كربلاء ، ومن ريف دمشق إلى حمص واللاذقيّة ، امتداداً إلى الهرمل والضاحية وصور . بينما تغضّ إسرائيل وبعض العالم الطرْف عنه .
وأوّل المواجهة كان في تنبّه القيادات المسيحيّة لثلاث محاولات خبيثة هدفت إلى ربط المسيحيّين نهائيّاً بالمشروع المذكور :
– الأولى ، ضمّ ممثّلين عن أحزاب مسيحيّة لبنانيّة إلى وفد المبايعة لبشّار الأسد . والخطورة ليست في الأسماء الباهتة والشخصيّات الهزيلة التي هرولت ، بل في رسالة الشرّ العلنيّة التي وجّهها الأسد إلى البطريرك الراعي تحت ستار الإشادة ، وعدم اكتفائه بمنح ” شهادته ” لإثنين من الحاشية ، فرنجيّه وعون . ولم تنجح هذه المحاولة في ذرّ الرماد في عيون المسيحيّين اليقظين .
– الثانية ، إقدام ” حزب الله ” على ربط خطف المطرانيْن اليازجي ويوحنّا بمخطوفيّ أعزاز ، وتصدّره الإعتصام في ساحة الشهداء مع الإلتحاق الغبي لأحد نوّاب التكتّل العوني ، ومزايدته على المرجعيّات الكنسيّة نفسها .
وما يُثلج الصدر أنّ أيّاً من هذه المرجعيّات لم يؤيّد هذا الربط ، بل عبّرت بهدوء بعيداً عن الإعلام عن امتعاضها من استغلال قضيّتها الإنسانيّة وتوظيفها الوقح في السياسة .
– الثالثة ، الإيعاز لعون بأخذ تكتّله إلى دير البلمند لعقد اجتماعه الأسبوعي هناك واستخدام الصرح الكنسي والجامعي كمنصّة لتوظيف قضيّة المطرانيْن . وقد أنقذت نباهة البطريرك يوحنّا العاشر الموقع البطريركي من هذا الإستغلال الرخيص ، وبدت الزيارة جوفاء في شكلها ومضمونها ومرّت بلا أثر .
لا يخفى أنّ فوضى الحرب السوريّة تُصيب بالأذى مرجعيّات ومقامات دينيّة مسيحيّة وإسلاميّة ، والنظام مسؤول قبل سواه عن هذه الإعتداءات ، ولا يحمي من المسيحيّين إلاّ مَنْ دخل في ذمّته وانضوى في خدمته، أمّا المسيحيّون المعارضون فدماؤهم مهدورة تماماً مثل المسلمين المعارضين ، سنّةً كانوا أو علويّين أو دروزاً . وقد باتت خدعة حماية الأقلّيات مكشوفة ، فهي محميّة فقط في قفص حريّتها ، ورقابها تحت سيف ديموكليس النظام !
ومع اكتمال أعياد القيامة لدى المسيحيّين ، لا بدّ لهم من إعادة تسديد بوصلة بقائهم وحضورهم ورسالتهم .
وأهمّ ما عليهم القيام به هو كشف الفئة الضالّة منهم ، وتنوير من يمكن تنويره ، وتخفيف أذى من انحرف إلى غير رجعة .
فإذا تُرك الحبل على غاربه ، ولم يُراقَب ويُحاسَب الملتصقون بنظام ساقط لا محالة ، وب ” حزب ” يزداد تورّطاً وولوغاً في الدماء السوريّة ، لا نَعجبنَّ إذا رأينا ، في يوم قريب ، كتيبةً أو لواءً تحت اسم ” مقام براد ” بهدف ” الجهاد ” لحماية ” أرض مارون ” بين برّ حلب وسهول حمص !
موارنة ” الجهاد ” ، وهُم نسخة مزوّرة غير طبق الأصل عن حقيقة الموارنة ، يورّطون الآن بعض المسيحيّين في لعبة أكبر منهم ، لا تقضي فقط عليهم كفئة ضالّة ، بل تنعكس سلباً على الكتلة المسيحيّة التاريخيّة في سوريّا ولبنان والمشرق .
يومئذٍ ، لا ينفع البكاء كالنساء على مُلْك لم يحافظ المسيحيّون عليه كالرجال .
وحدها قيامة الوعي المسيحي تجعلهم يستحقّون احتفالات القيامة .
