يُبدي السفير البريطاني في لبنان طوم فليتشر حرص المملكة المتحدة على إبقاء لبنان خارج الحرب الدائرة في سوريا، ورغبتها في تجنيبه تداعيات “الحرب الباردة بين السعودية وإيران، التي قد تُطيح بالخريطة السياسية التي رسمتها إتفاقية سايكس – بيكو”.
يتساءل فليتشر: “ماذا يمكن فعله ليتجاوز لبنان العاصفة السورية؟”، ويقول خلال مشاركته في ندوة نظّمها مركز”عصام فارس للشؤون اللبنانية”، في مركزه الكائن في سنّ الفيل، تحت عنوان “أولويّات السياسة البريطانية في لبنان، إدارة العدوى السورية”: “تقع مسؤولية حماية لبنان على الطبقة السياسية اللبنانية والمجتمع الدولي معاً”.
ويشير إلى أنّ العدوى السورية يمكن أن تنتقل إلى لبنان عبر أربع مسائل أو طرق. مسائل تأتي في مقدّمتها قضية اللاجئين السوريّين، الذين تشير التقارير الى أنّ عددهم قارب المليون ونصف، وذلك بفعل الضغوط التي يخلقها وجودهم، سواء على صعيد الاقتصاد أو الخدمات الصحّية والمعيشية. ويقول فليتشر: “تخيّلوا ضخامة الوضع، كأنّ سكان كندا نزحوا إلى الولايات المتحدة”. لكن، ذلك لا يعني إمكان غلق الباب أمام تدفّقهم، فقانونياً وأخلاقياً لا يمكن القيام بذلك، على حدّ تعبيره.
ويُبدي تفهّمه لوضع لبنان الضعيف في مواجهة تدفّق اللاجئين السوريّين، ويثمّن قيام الحكومة بعمل استثنائي، داعياً المجتمع الدولي إلى الإيفاء بالتعهّدات التي التزمها في مؤتمر الكويت. غير أنّه يتخوّف من قدرة حكومة تصريف أعمال على معالجة ملف اللاجئين، “فهذه كارثة وطنية، في وقت ينشغل السياسيّون بالخلاف على حصصهم في الحكومة المقبلة”.
ويقول السفير البريطاني: “ليس علينا دفع الحكومة اللبنانية لإقامة مخيّمات للاجئين، المخيّمات باتت موجودة وهي تتحوّل الى واقع على الأرض”.
المسألة الثانية تتمثل بخطورة انتقال العنف، نتيجة تدفّق السلاح وانتشار المسلّحين، لا سيّما في الشمال وطرابلس خصوصاً، والتي تقلق فليتشر.
إزاء هذا الواقع، يدعو السفير البريطاني اللبنانيّين إلى دعم الجيش اللبناني والتضامن معه، “فهناك تضحيات يفترض على الجيش القيام بها، وعلى الطبقة السياسية أن توفّر له الغطاء الكامل، للقيام بمهمّاته وبعمله في كلّ مكان”. ولا يخفي أنّه على “بريطانيا مسؤولية تدريب الجيش اللبناني وتزويده بالمعدّات اللازمة للقيام بمهمّته وحماية الحدود الشمالية والشمالية الشرقية”. ويقول: لقد سُئلت في لندن، هل يجب أن نسلّح المعارضة السورية؟ فأجبت: “علينا تسليح الجيش اللبناني”.
وبما أنّ الحرب في سوريا باتت أكثر طائفية، ينبغي منع المسألة الثالثة، التي قد تنجم عن انتقال العدوى السياسية إلى لبنان. ولاستيعاب هذه الصدمات، على الطبقة السياسية اللبنانية “أن تكون أكثر مرونة، وأن يكون لديها الشجاعة لضمان التعايش بين الطوائف اللبنانية كافة”.
أمّا العدوى الرابعة فتتمثل بمخاطر تمدّد النزاع السوري إلى دول الجوار مع دخول إيران وإسرائيل والسعودية على خطّ هذا النزاع. ويشدّد فليتشر على “ضرورة توافر التوافق الدولي لإبقاء لبنان بعيداً عن النار، وعزله عمّا يجري”.
ويؤكّد أنّه أمر هامّ لبريطانيا أن يكون لبنان مزدهراً ومستقرّاً، ومصلحة لها في الوقت عينه، رافضاً اكتفاء بلاده القيام بدور المراقب. ويقول: “علينا مدّ يد الشراكة، والتضامن مع لبنان ودعمه عملياً”. ويرى فليتشر أنّ وجود النفط والغاز قد يكون نعمة أو نقمة للبنان، والحلّ في أن تتمّ الإجراءات المرافقة لاستخراجه وتسويقه بشفافية كاملة.
سوريّاً، يخشى فليتشر انفجار الوضع، وتبدّل الخريطة السياسية التي رسمتها إتفاقية سايكس – بيكو. ويقول: “لا شكّ أنّ اتفاقية سايكس – بيكو ستأتي لحظة وتحلّ محلّها خريطة أخرى. عندها لن يكون هناك البريطانيّون والفرنسيّون، قد يكون هناك الإيرانيّون والسعوديّون أو الروس والأميركيّون”.
ويقول فليتشر ردّاً على سؤال لـ”الجمهورية”: “لا أحد يعلم ماذا سيجري في سوريا، كلّ طرف يؤمن بأنّه سيربح المعركة”. وعلى رغم سوداوية المشهد، يرى أنّ “هناك فرصاً لتغيير الوضع القائم من خلال الديناميكية السياسية التي نلمسها من خلال زيارة وزير الخارجية الأميركية جون كيري إلى موسكو، وقمّة الثماني التي عقدت في لندن في نيسان الماضي، والتي شكّلت فرصة مناسبة لمناقشة الأزمة السورية مع الجانب الروسي”. وإذ لا يبرّر قيام إسرائيل بغارات على سوريا، يُبدي تفهّم بريطانيا لقيام إسرائيل بحماية أمنها. ويستبعد أن يصدر قرار عن مجلس الأمن يدين الغارات الإسرائيلية. ويقول: “علينا سؤال الأميركيّين عن هذا الأمر”. ويوضح أنّ “ضرب قواعد “حزب الله” في سوريا شيء، وفي حال الهجوم على لبنان سيكون الوضع مختلفاً”.
ويؤكّد فليتشر لـ”الجمهورية” أنّ ما يفعله “حزب الله” في سوريا، “غلطة”، ويدعوه إلى التزام سياسة النأي بالنفس التي انتهجتها الحكومة اللبنانية في مقاربتها للأزمة السورية. ويقول: “إنّ الحزب، بإرسال أبنائه للقتال في سوريا والموت، يخاطر ويعرّض معه أمن لبنان للخطر”.
غير أنّ سلوك “حزب الله” على رغم خطورته، ليس سبباً قد يدفع الإتحاد الأوروبي إلى إدراجه على لائحة “الإرهاب”، ووضعه على هذه اللائحة سيكون فقط نتيجة اعتداء بورغاس، في حال تمّ التوصّل إلى أدلّة قوية تثبت تورّطه.
ويذكّر فليتشر أنّ وجهة نظر الحكومة البريطانية واضحة في هذا المجال، فالهجوم على بورغاس “يعدّ هجوماً على دولة أوروبية”.