لم يفلح اللبنانيون على مدى السنوات الخمس الماضية في أن يمحوا من ذاكرتهم صور السابع من أيار الأسود وما خلّف من مآسٍ وويلات في معظم جغرافيا هذا الوطن الصغير، كل محاولاتهم وآمالهم بزوال هذا الكابوس كانت تصطدم بواقع آخر، هو واقع العودة الى 7 أيار في كل الأزمنة والأمكنة، ليعيد أصحاب الأيدي السود والوجوه السود والقمصان السود تمجيد هذه الذكرى وإبقائها حيّة بالحروب المتنقلة وترويع الآمنين في كل منطقة وحيّ ودسكرة تعترض على سلاح الأمر الواقع وتنادي بالأمن الآتي من سلاح الجيش اللبناني والقوى الأمنية الشرعية دون سواها.
لم يعد خافياً على أحد أن اللبنانيين المؤمنين بمشروع الدولة، كانوا يراهنون على سراب انتماء “حزب الله” الى النسيج اللبناني، والعمل لمحو آثار ما جنت يداه في ذاك اليوم المشؤوم، على قاعدة مراجعة الأخطاء والإقلاع عنها، والتلاقي على ما كان يسمّى “المصارحة والمصالحة” لطي صفحة الماضي القريب، لم يتأخروا في اكتشاف أن السلاح الذي فتك بهم في السابع من أيار وفي يوم أصحابه “المجيد”، كرّس إرهابه عليهم، وحوّلهم رهينة إرادته وأجندته البعيدة كل البعد عن مزاعم الدفاع عن لبنان وحمايته من الخطر الإسرائيلي، ليثبت بالوجه الشرعي وبالتكليف الشرعي أنه سلاح تغيير المعادلات الأمنية والسياسية بدءاً من لبنان وامتداداً الى المنطقة بأسرها، وصولاً الى الدول الأوروبية والأميركية.
ولم يعد سرّاً أن ما يسمّى سلاح المقاومة بدّل وظيفته منذ العام 2006 من مواجهة العدو الإسرائيلي في الجنوب الى محاربة الشركاء في الداخل، والشواهد على ذلك لا تعدّ ولا تحصى.. والآن بات مفهوماً بشكل جلي ما هو مفهوم “السلاح لحماية السلاح”، فما إن صمتت صواريخ “حزب الله” في حرب تموز وهدأت جبهته مع العدو، حتى صرف الحزب اهتمامه السياسي والأمني والعسكري الى الداخل، ليجعل من حكومة المقاومة السياسية عدواً جديداً له، ويجعل منها “حكومة عميلة ومتآمرة”، مسارعاً الى محاربتها باستقالة وزرائه منها، مروراً باحتلال وسط بيروت وتطويق السرايا الحكومية وإقفال مجلس النواب، وصولاً الى اجتياح بيروت وجبل لبنان في السابع من أيار 2008، الذي كرّس تفاهم الدوحة، هذا التفاهم الذي جعل “حزب الله” يُحكم قبضته على الحكم في لبنان بالثلث المعطّل في الحكومة، وفرض قانون انتخابات وهو قانون “الستين” الذي حمله الجنرال ميشال عون رافعاً به شعار “عودة الحق الى أصحابه”، مقابل شرطين أساسيين حققهما تيار “المستقبل” وقوى “14 آذار” وهما التعهّد بعدم استعمال “حزب الله” سلاحه في الداخل، وعدم الاستقالة من الحكومة وتعطيلها، لكن سرعان ما أطاح الحزب بتفاهم الدوحة، فلم يترك بنداً واحداً إلا وانقلب عليه، إذ فرض مشاركته في الحكومة بالثلث المعطل على أثر فوز قوى 14 آذار بانتخابات العام 2009، ومن ثم تعطيل حكومة الرئيس سعد الحريري بذريعة شهود الزور ورفض المحكمة الدولية، وصولاً الى الاستقالة من الحكومة وإقالتها وفرض حكومة “القمصان السود” التي نصّب نجيب ميقاتي على رأسها، مثبتاً بذلك معادلة “لا صوت يعلو فوق صوت السلاح”، ومقولة “حقّ القوة يتفوق على قوّة الحق”.. ما بين هذا الانقلاب وذاك أدخل سلاح “حزب الله” من جديد معادلة “الأمن المفقود” في صولاته وجولاته التي تركت الكثير من المآسي والآلام والدموع في الاجتياحات المحدودة وقتل الأبرياء في “غزواته الجهادية” في عائشة بكار وبرج أبي حيدر وطرابلس وصيدا والبقاع وأخيراً وليس آخراً الاعتداء على المشايخ والإساءة اليهم، عدا عن دور هذا السلاح في عمليات الخطف السياسية والأمنية، وقطع الطرق الرئيسة وعزل المطار عن الوطن وتحويل المسافرين والوافدين رهائن يستجدون رحمة قطاع الطرق، وتهديد الرعايا الأتراك والعرب وإقفال مصالح ومؤسسات تلك الدول.
الآن وبعد خمس سنوات أثبت “حزب الله” أن “يومه المجيد” لم يكن خطأ تكتيكياً أو نزوة قتالية عابرة، إنما أراده “محطة تأسيسية” لتحوّل جذري في سلوكه ووظيفته ودوره، ليس في لبنان إنما في المنطقة والعالم بأسره، وإذا اتخذ من قرار الحكومة القاضي بمنع تمدد شبكة اتصالاته على حساب مؤسسات الدولة وإقالة رئيس جهاز أمن المطار العميد وفيق شقير في الخامس من أيار ذريعة لاجتياح بيروت والجبل وترويع الآمنين وقتل مئات الأبرياء الذين لا ناقة لهم ولا جمل في كل ما يجري، فما هي ذرائعه اليوم ليكرّس هذا الواقع في الداخل السوري، ويدخل بكل عديده وعتاده شريكاً مضارباً ومنافساً شرساً في قتل الشعب السوري الأعزل، تارة تحت حجة حماية القرى الشيعية في ريف القصير وطوراً بذريعة حماية مقام السيدة زينب عليها السلام والمقامات الدينية المقدسة؟، لقد أدخل “حزب الله” اليوم مصطلحات جديدة خطيرة في قاموس تبرير دوره الفاضح، زاعماً أن الحرب التي يخوضها في سوريا هي استكمال لحرب تموز، ومقاومة قطع طريق إمداد المقاومة، ولا شك في أن قائمة التبريرات مفتوحة على الكثير من التسميات التي تسعى قيادته الى سوقها للتقليل من حالة الغضب العارمة التي تجتاح جمهوره، بفعل الخسائر البشرية الهائلة التي يتكبدها، وبات صعباً عليه مواجهتها بالحجة والمنطق.
لا أحد يتنكّر لتضحيات شهداء “حزب الله” الذين سقطوا في مواجهة العدو الإسرائيلي على مدى أكثر من عقدين من الزمن، توجّها هؤلاء الشهداء بتحرير الجنوب في العام ألفين، لكن المتتبعين لمسيرة الحزب منذ العام 2005 حتى الآن يعترفون في قرارة أنفسهم أن هذا الحزب أساء الى تضحيات كل هؤلاء الشهداء، لا بل إن ممارساته الأخيرة أثبتت لأهالي الشهداء قبل غيرهم أن “حزب الله” لم يدفع بأبنائهم الى الموت دفاعاً عن لبنان وقضيته، ولا دفاعاً عن القضية الفلسطينية التي جعل منها قميص عثمان، إنما خدمة لأجندته الإقليمية وتطبيقاً لبرنامجه الذي رسمته طهران ويطبقه اليوم في أكثر من دولة. والسؤال الذي بدا ملازماً للغالبية العظمى من اللبنانيين، إذا كانت مسوغات “حزب الله” لجريمة السابع من أيار هي الإمساك بالسلطة في لبنان، فما هو المسوّغ ليرتكب فظائع ترقى الى مستوى “الإبادة” وقتل الأطفال والنساء والشيوخ وإحراق المنازل في سوريا؟، وما هي مبرراته لارتكاب ما هو أخطر من 7 أيار في البحرين والكويت ومصر وبلغاريا وأميركا الجنوبية وغيرها؟.