لم يتبق الكثير من وجوه الشبه والمقارنات بين تجارب لبنان مع الاعتداءات الاسرائيلية وتجربة الغارتين الاسرائيليتين الاخيرتين على سوريا إلا بوحدانية العامل الاسرائيلي وحده وسط المتغيرات العربية والدولية الهائلة في العقد الاخير، ومع ذلك يتعين على المعارضة السورية تحديدا ان تعيد قراءة تجربة اجتياح 1982 للبنان لانها تبدو العينة الاقرب للتوصيف التاريخي الذي اطلقه غسان تويني على حرب لبنان “حروب الآخرين على ارضه” منذ الاجتياح الاسرائيلي الاول في عام 1978.
ونقول المعارضة لان ما قد يصيبها من الاهداف الخفية للتورط الاسرائيلي ربما يفوق اضعافا مضاعفة ما يصيب النظام بدليل ما تسلل من رسائل “طمأنة” اليه من اسرائيل غداة العدوان على دمشق. ولا نخال ان المعارضة تجهل ذلك متى رفع النظام، الذي تستكين جبهة جولانه مع اسرائيل منذ اربعة عقود، سلاح التخوين في وجهها فوق سلاح الابادة.
في عام 1982 كان ثمة شيء شبيه في استسقاء الشهية الاسرائيلية الى اجتياح اول عاصمة عربية لان لبنان كان غارقا في الدماء ايضا. جرت في ذلك الاجتياح تصفية “الثورة” الفلسطينية التي كانت العنوان الاساسي لحروب الآخرين في لبنان وعليه.
الفارق الكبير الآن هو ان في سوريا ثورة داخلية بكل المواصفات ولو انكرها النظام حتى الرمق الاخير. ولا نخال اسرائيل التي ضمت الجولان المحتل تحتاج الى شريط حدودي سوري اضافي. لكن على نار المجازر التي اتخذت طابع التصفية المذهبية، تتصاعد براكين حروب آخرين ايضا بدأت تجتذب العدوانية الاسرائيلية الى ارض سوريا إن “لمعالجة” مبكرة بالنار الاستباقية للتوسع الايراني ومن ضمنه ملف “حزب الله” وإن لاهداف اخرى لا احد يدعي معرفتها بعد. ثم ان المقارنة تستقيم ايضا مع قواعد الاشتباك الدولي، ولو بفوارق، بين جبابرة الثمانينات ولاعبي هذا الزمن. اجتياح 1982 اسقط “الخطوط الحمر” بين اسرائيل وسوريا والمتفق عليها منذ الدخول السوري الى لبنان عام 1976 رغم الحرب الباردة الاميركية – السوفياتية. وفي الغارتين الاسرائيليتين الاخيرتين على دمشق سقطت خطوط حمر اخرى وسط اوسع التباس اميركي – روسي حيال شلالات الدماء السورية وقبل ساعات من زيارة وزير الخارجية الاميركي لموسكو.
وبين هذا وذاك ينبري “المحور الممانع” الى تبرير قصوره عن مواجهة العدوانية الاسرائيلية برفع فزاعة “التكفيريين” وحدها كأنه يبرر مجازر “التطهير” العرقي والمذهبي، وحتى مع وجود الخطر التكفيري لم يرتفع صوت “ممانع” ضد مجازر النظام.
في سنتين فقط سقطت سوريا في ما استنزف لبنان 15 عاما. حرب الآخرين، وحرب اهلية، سواء بسواء، وطبعا مع فارق مرعب في حجم اهوال الجحيم السوري.
