#adsense

الإفتراء في كتاب الإبراء

حجم الخط

نظريات وأساليب جوزف غوبلز وزير الدعاية السياسية في الحركة النازية معروفة ومشهورة ومتداولة، بسبب اعتمادها على تسويغ تكرار الاضاليل والتلفيقات مرة بعد اخرى كوسيلة للسيطرة على عقول الجماهير، وهو القائل: اكذب، اكذب، ففي النهاية لا بد ان يصدق الناس شيئا من ذاك الكذب.

ويتبدى للمتابعين في هذه الآونة لهذه المسائل، ان اسلوب غوبلز ومنهجه لم يسقط بسقوط هتلر، بل هو مستمر الى أيامنا هذه، حيث ان بعض الدول، والقيادات والحركات السياسية ما زال يلجأ الى هذا الاسلوب في الدعاية الجماهيرية او الترويج للآراء السياسية.

حين يتابع المرء الاسلوب الدعائي للتيار الوطني الحر الذي يقوده العماد ميشال عون، يلاحظ تأثره بشكل كبير بأسلوب غوبلز المشار اليه، والدليل الساطع على ذلك، هو كتاب ما يسمى “الإبراء المستحيل” الذي انطلق واضعه من جملة افتراءات كان اطلقها بعض غلاة المعارضة للرئيس الشهيد رفيق الحريري خلال مراحل عمله في الشأن العام، للتصدي له ولمواجهة ما حققه من انجازات في لبنان. والتيار المذكور اضاف الى تلك الافتراءات الكثير من بنات افكاره ليكتمل تحقيق الهدف الذي ما فتئ يسعى اليه في تشويه انجازات الرئيس الشهيد والذي يعبر عنه قول مشهور “إذا اردت ان تقتل انسانا اطلق عليه شائعة”. وعلى ذلك قام التيار العوني في تجميع كل تلك الافتراءات والتلفيقات، في كتاب ليسهل تداولها وكأنها حقيقة ثابتة.

فليتخيّل القارئ العزيز، المشهد الحالي الذي نحن فيه اليوم، الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي حمل على اكتافه مهمة اعادة اعمار ما دمّر بالحرب وعمل على تعزيز الوحدة الوطنية وإقدار لبنان على التلاؤم مع متطلبات المستقبل، بعدما كان للعماد عون نصيب كبير في ما يتعرض له لبنان من تدمير وتراجع وانحسار في الدور. الرئيس الحريري الذي قام بإعمار ما ساهم العماد عون في تدميره، ينتهي الامر به، متهما ومهاجما، هو وفريقه من العماد عون نفسه! فيا للعجب ويا لسخرية القدر!

في تلك الفترة التي تولى فيها العماد عون مقاليد الحكومة العسكرية، تعرض الجيش اللبناني لدمار كبير، وكذلك البنية التحتية في بيروت الكبرى. طبعا، كانت حصة المناطق الشرقية من بيروت من الاذى اكثر من غيرها. كذلك تعرضت مؤسسات الدولة لدمار هائل، بما فيها مكاتب وزارة المالية، مع قسم من مستنداتها التي احترقت بفعل القصف الذي أمر به العماد عون.

كذلك تسبب العماد عون بتدمير اضافي للقصر الجمهوري، وانتهاك حرمته، وكذلك وزارة الدفاع. اضافة الى انه عرّض لبنان واللبنانيين لتراجع وتدهور كبيرين على اكثر من صعيد اقتصادي ومعيشي واجتماعي ووطني، الى ان كانت المبادرة العربية لحل الازمة في لبنان، والتي انتجت اتفاق الطائف الذي وضع حدا للمأساة اللبنانية المديدة، والتي شارك العماد عون في صنع مراحلها الاخيرة.

جاء الرئيس رفيق الحريري ورفاقه ومن عمل معه في محاولة جادة وطموحة لاعادة اعمار هذا الكم الهائل من الدمار ولاعادة بناء الدولة اللبنانية في ظل ظروف شديدة الصعوبة، محفوفة بالمخاطر والعراقيل ومحاولات التفشيل والاستغلال، من اكثر من فريق محلي واقليمي. وتكون النتيجة بعد كل تلك التضحيات، ان العماد عون ذاته يأتي ليقول اليوم ان الطائف “مزبلة” ولينفث احقاده من خلال محاولة بائسة لتشويه صورة من سعى لأعادة الاعمار واعادة بناء الدولة، وهنا المفارقة الغريبة.

كتاب “الابراء المستحيل” الذي وصفه العماد عون بأنه: “اهم كتاب في العالم”! هو في الحقيقة توليف وتركيب لمجموعة من الافتراءات والتلفيقات بهدف تشويه صورة تيار المستقبل وانجازات الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومن ثم تشويه صورة القيادات التي اعتمدت ذات المسارات التي اختطها الرئيس الشهيد.

لم يكتف العماد عون وتياره في اطلاق هذه الجملة من الافتراءات والتلفيقات في كتابهم هذا، بل ذهبوا بعيداً في كونهم تجاهلوا وعن قصد، على ما يبدو، تناول ما شهدته البلاد من مظاهر فساد في ظل الحكومة التي يشارك تياره فيها بعشرة من الوزراء، وهي كثيرة وكثيرة جداً. هذا التيار الذي يدعي ان قضيته وشغله الشاغل هو محاربة الفساد، تجنب الحديث بالطبع عن فضائح بالجملة راوحت بين حماية المطلوبين للعدالة والسكوت عن الترويج لحبوب الكبتاغون الى فضيحة المازوت الاحمر الى غض النظر عن الدواء المزور والمغشوش، الى السكوت عن الجمارك السائبة والمباريات الرياضية المباعة، الى الفضائح التي تزكم الانوف والتي يرتكبها وزراؤه، ولا سيما في قطاع الكهرباء والاتصالات، والامعان في مخالفة القوانين وعدم تطبيق بنودها الملزمة.

كل ذلك لم يجعل العماد عون وتياره يتوقفون امامه أو يرفعون الصوت استنكاراً وشجباً له. بل بقوا عملياً مصرين على مكافحة الفساد فقط بالقول وليس بالفعل وفي أحيان كثيرة باقترافه.

المفارقة الغريبة ان الفساد في نظرهم هو كل ما يقوم به خصمهم السياسي، وان كل ما يقومون به هو الصلاح بعينه! ويا ليت ذلك كان صحيحاً، وهذا دليل كاف على ضعف حجتهم وفساد شعاراتهم وسوء مقاصدهم.

سأتركك عزيزي القارىء مع صفحات هذا الرد على الافتراءات لاكرر ما كنت اعلنته سابقا: من يريد فعلا كشف كيف انفقت الاموال في لبنان؟ وأين كان الفساد”؟ وأين كانت الشفافية؟ وكيف طبقت؟ وكيف حجبت؟ فليوافق على اقرار مشروع القانون الذي تقدمنا به في أيار عام 2006 للتدقيق في حسابات الدولة اللبنانية منذ عام 1989 وحتى الآن، وذلك باعتماد الآليات الدولية التي تعتمد هذا الاسلوب بحيادية وموضوعية وبعيداً عن الغرضية، وحسب ما أصبحت تعتمده كبريات الدول في العالم. تعالوا نترك السجالات والحروب الاعلامية بأساليب غوبلز أو اساليب العماد عون ولنذهب بموضوعية نحو المحاسبة الشفافة والحيادية. ترى لماذا يهرب التيار العوني من هذه الاساليب ويصر على اعتماد الافتراء والتشويه؟

خطورة ما لجأ اليه العماد عون وتياره من اسلوب يتعمد التشويه ومجانبة الحقيقة بكونه يثبط همم الساعين بصدق واخلاص للعمل في خدمة الشأن العام اليوم وفي الغد ايضا.

وهذا ما ينطبق عليه قول الامام علي في رسالته لاحد الولاة: “لا يكون المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء؛ فان في ذلك تزهيداً لاهل الاحسان في الاحسان، وتجرئة لاهل الاساءة على الاساءة”.

لقد اردنا للمرة المئة التوجه الى اللبنانيين لاننا نحترم عقولهم ونحترم ضمائرهم ونعرف اهتمامهم بحاضر بلادهم ومستقبلها. لا يستطيع الجنرال عون وتياره الاستمرار في الافتئات على الحقيقة وعلى اللبنانيين وعلى الناس اجمعين. فمع الامعان في الغي الذي يمارسه العماد عون، يصبح الابراء مستحيلاً بالفعل على العماد عون وتياره.

لكم كنا نتمنى ان يتوجه النقاش نحو الجانب الاقتصادي لمعالجة تحديات المستقبل، وان يكون الهم الاساسي اولويات الناس والبحث عن حلول حقيقية ومستدامة للمشاكل الكثيرة والمتعاظمة التي تواجهنا كلبنانيين.

ولكم كنا نتمنى ان نتحاور مع تكتل التغيير والاصلاح حول الخيارات المتاحة من امام لبنان للعبور بالوطن نحو شط الامان، ولكن يبدو ان اهتماماتهم كانت في مكان آخر.

لكن رغم كل ما تقدم، فنحن ننظر الى المستقبل بعيون كل الشعب اللبناني، لن نلجأ الى السباب والشتائم، ولن نتحدث بلغة لا علاقة لها بتاريخنا. وهذه أمور التزمناها في هذا الكتيب، كما سيتبين للقراء الكرام، فالرد يستند الى الوثائق والحجج، ووراء ذلك الاخلاق، والامانة للمصلحة الوطنية العامة.

¶ النص هو مقدمة كتاب “الافتراء في كتاب الابراء”.

المصدر:
النهار

خبر عاجل