#adsense

“التيار” و”الحزب” و.. ما بعد بعد الانتخابات

حجم الخط

 كتبت كارلا خطار في صحيفة “المستقبل”:

لم يتحالف رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” النائب ميشال عون مع “حزب الله” مصادفة، بحيث أن ما يحصل اليوم مع اقتراب نقطة الصفر ليس سوى وليد أعوام من التحالف القائم على المصالح الضيقة والحسابات الشخصية. فالجنرال لا يتوقّف عن دغدغة مشاعر المسيحيين كونه يريد منهم أن يكونوا طرفاً في تأمين اللحظة التي ستصاب فيها كل المؤسسات في لبنان بالشلل. كل المؤشرات تعبّر عن تلازم الأهداف بين الطرفين، ففيما “حزب الله” منشغل بالحرب الدائرة في سوريا وفي القتال الى جانب بشار الأسد، فإن عون هنا مسلّح بعدّة العمل، ملوّحاً بالتعطيل ومروّجاً للبنان غير لبنان الذي نعرفه اليوم.

وتترافق عملية دغدغة مشاعر المسيحيين بالتذكير الدائم بمشروع قانون “اللقاء الأرثوذكسي”، فبالنسبة الى الجنرال، هذا المشروع، من بين كل القوانين، “يحظى بالدستورية، ويوصل الحقوق الى أصحابها 100%”. ويتابع “الاعتداء وضرب العيش المشترك هو عندما يرفض أحدهم قانون اللّقاء الأرثوذكسي كي يحقّق مكسباً له”. فقبل أن يقسّم القانون اللبنانيين، فرزهم النائب عون بناء على معيار من هم مع المشروع ومن هم ضدّه. فمشروع اللقاء الأرثوذكسي يجعل اللبنانيين على ضفتين، واحدة للمسيحيين والأخرى للمسلمين وكلّما “دقّ الكوز بالجرّة” تتدخل الدول الإقليمية والدولية.. هذا فضلاً عن أنه سيصبح للمسيحيين مناطقهم وللمسلمين مناطق أخرى. وهذا يتناقض مع الفقرة “ط” من مقدمة الدستور “أرض لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين (..) فلا فرز ولا تقسيم ولا توطين”.

هذا مشهد واحد من مشاهد نهاية “فيلم” مشروع “اللقاء الأرثوذكسي”.. فلِمَ يتمسّك به “التيار الوطني الحرّ” إذاً؟ أولاً لأن التيار لم يتقبّل يوماً الدستور اللبناني وما زال رافضاً له مناقضاً كل أحكامه في المشاريع التي يطرحها أو التي يتبنّاها تماماً كما هو مصرّ اليوم على “اللقاء الأرثوذكسي”. ويترافق الإصرار على “الأرثوذكسي” مع تأخّر تشكيل الحكومة لأسباب تتحمّل مسؤوليتها قوى 8 آذار حيث بات اللاعبان الأساسيان فيها هما “التيار” و”الحزب”، وحين تتناقض مصالح الطرفين يكون الحسم للأخير كما حصل في قضية المياومين العام الماضي.

لكن في هذه القصة التي تقترب من كتابة نهاية “حزب الله” في سوريا وبالتالي كل حلفائه الثانويين في لبنان، يلعب الجنرال دوراً رئيساً في سعيه الى تعميم الشلل المؤسساتي دونما التفاتة الى الأطراف المعارضة له. وبهذا ستتعطّل الانتخابات النيابية، والتمديد سيجابه بطعن من رئيس الجمهورية، لكن التمديد يصبّ في مصلحة “حزب الله” الذي سيطيل إحكام سلاحه على أعناق اللبنانيين.. وإما سيدخل لبنان في الفراغ وأصلاً الحكومة مستقيلة..

إذاً، إنه السيناريو المطلوب لهذه اللحظات “العصيبة” التي يختبرها “حزب الله” في سوريا ويعيشها عون ربما للمرة الأخيرة في لبنان محاولاً توزير الراسبين في الانتخابات النيابية. إزاء كل هذه التطورات لا بدّ أن عون، الرافض للدستور اللبناني، و”حزب الله”، الذي لم يشارك في مؤتمر الطائف.. سينتفضان على الواقع ويطالبان بلبنان على صورة لم نعهدها من قبل.. طبعاً، إن أتت على شاكلة الحزب المنقلب على الديموقراطية والمشارك في دم الشعب السوري والتيار الذي شارك في مفاعيل الإنقلابات ووضع يده على وزارات يحسب أنها ملك له.. فإن لبنان سيفقد من دون شكّ وجهه العربي ليصبح “لبنان ذو الوجه الفارسي” أو “ذو وجه ولاية الفقيه” مثلاً.

ولم تكن من باب المصادفة دعوة عون الى الاقتداء بـ”المفكّر الكبير ميشال شيحا الّذي ساهم بتأسيس الكيان اللّبناني ووضع الدّستور اللّبناني الأوّل”، مستشهداً بأحد أقواله “كل من يحاول إلغاء طائفة في لبنان، يحاول إلغاء لبنان”، حيث أن هوس رئاسة الجمهورية ما زال يسكن الجنرال آملاً أن يتسلّح بصلاحيات رئيس في دستور الـ1926 غير المعاصر اليوم. لكن ماذا إذا حاول أحدهم بالمفرد أو بالمثنى إلغاء لبنان وتبديل وجهه ونظامه ربّما ومرتكزاته وقواعد عيشه المشترك وعاداته وتقاليده؟ فهلا بحث الضالعون في هذه الإنقلابات عن إجابات عن كل هذه الأسئلة في كتب ومفكرات كل المساهمين في وضع دستور لبنان الأول؟

إنها طريقة جديدة، مكمّلة لأسلوب الإنقلاب في 7 أيار لنعي الحياة السياسية في لبنان.. إنه نعي على الطريقة العونية و”الممانعجيي” للتنسيق والتوفيق في ما بينهم على شلّ المؤسسات.. في الحقيقة لقد سبق للبنانيين أن نعوا تلك الأطراف في لبنان، لأن الأحزاب تذهب أما لبنان فباقٍ والسياسة الديموقراطية باقية فيه لتمنع التقسيم والفرز عملاً بدستور الطائف. ولا عجب في أن يلتقي الجنرال عون و”حزب الله” حول طموح واحد هو “ما بعد بعد الانتخابات”، فلأن الدستور اللبناني، ولعلمه بارتهان بعض الأطراف اللبنانية الى دول خارجية تسلّح الميليشيات كان حازماً في رفض كل هذه الأشكال الدخيلة.. الدستور لفظهم فهل تشرّعهم الانتخابات أم بيان الحكومة؟.. الاحتياط واجب.. والانتباه ضروري.. ومَن يجرّب المجرّب؟!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل