للمرة العاشرة أو ربما أكثر، تُقصف سوريا بطائرات وصواريخ إسرائيلية، وللمرة العاشرة أيضاً ترد على مسامع الشعوب العربية عبارة “حق الرد في الزمان والمكان المناسبين”، حتى باتت هذه الشعوب كلها، تخشى أن لا يأتي ذلك اليوم أو أن يأتي في زمن هم ليسوا موجودين فيه، وفي كلتا الحالتين، يبدو أنه من الأنسب والأنفع لكل من ينتظر أو يترقّب تلك الساعة، أن يصبّر نفسه بأغنية “ايمتى الزمان يسمح يا جميل” للراحل محمد عبد الوهاب، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
العرب بشيبهم وشبابهم، قد حفظوا جملة “حق الرد في الزمان والمكان المناسبين” عن ظهر قلب، ليس منذ مجيء بشار الأسد إلى الحكم في سوريا بل منذ كان والده حافظ الأسد صاحب الشعارات الرنّانة والطنّانة وزيراً للدفاع، حتى أنهم باتوا يرددونها مع كل غارة تشنها الطائرات الإسرائيلية على سوريا، وأهم الشعارات التي ورثها الابن عن والده “إنّ سوريا لن تنجر إلى حرب ما لم تكن مستعدة لها” و”كرسي تحكم من خلاله أهم وأفضل من بلد لا تملك فيه موطئ قدم”.
وللأسد الأب كما نجله، مآثر كثيرة في التخاذل. فعلى سبيل المثال لا الحصر، هو الذي أمر جيشه بترك الأسلحة والتراجع عن جبهة الحرب في العام 1967، تاركاً للإسرائيليين حينها، ترسانة حربية لا يُستهان بها مع عشرات القرى في جبل الشيخ، حتى قيل وقتها إن الترسانة تلك، كانت تكفي لصمود جيشه شهوراً عدّة.
لم تقف مآثر الأسد الأب عند هذه الحدود، بل قرر معاقبة الضباط والجنود الذين تأخروا في تنفيذ الانسحاب وأحالهم على المحاكم الميدانية بدلاً من مكافأتهم، كما عمد في حينه إلى إذاعة بيان يعلن فيه سقوط القنيطرة قبل 48 ساعة من سقوطها الفعلي. ولذلك لا عجب في كل ما يراه المواطن من مواقف متخاذلة للرئيس السوري الحالي، والتي أقل ما يُقال فيها إنها لا تنم عن مواقف شجعان ولا تمت لأصحاب النخوة والشهامة بصلة، لكن كل هذه الاتهامات لا يعود لها أي نفع عندما يستذكر المرء أن الأسد الابن قد شب على الظلم وتربّى على سياسة طأطأة الرؤوس ودفنها في الرمال كالنعام منذ كان طفلاً يحبو في منزل والده.
وبالرغم من أن إسرائيل قد انتهكت الأراضي السورية مرات عدة، منها قصفها للحدود السورية ـ اللبنانية في العام 2006 ولمنطقة البوكمال السورية، ورادارات الجيش السوري في البقاع، وأيضاً قصفها لموقع الكبر في دير الزور التي تُسيطر عليه اليوم قوات الجيش السوري الحر بشكل كامل، إلا ان الجواب السوري كان دائماً يأتي مخيباً لآمال الشعوب العربية التي باتت مقتنعة أن لهذا النظام جيشاً برسم الإيجار وليس للدفاع عن سوريا، فهو تارة يُتم إستئجاره في الكويت وطوراً في لبنان، على أن يكون المكسب دائماً إنعاش حسابات عائلة الأسد في المصارف العالمية.
وبالعودة إلى الغارات الأخيرة التي شنّتها الطائرات الإسرائيلية منذ أيام قليلة على مواقع عسكرية سورية في ضواحي دمشق، ومواقع أخرى فوق جبل قاسيون المطل على القصر الجمهوري السوري، يبدو أن هذه الغارات لم تُفاجئ فقط الرادارات السورية التي لطالما تغنّى بها النظام السوري يوم كانت تتركّز على تلال البقاع اللبناني تحت حجة الدفاع المشترك بين البلدين، إنما فاجأت أيضاً حلف “الممانعة” الممتد من إيران إلى العراق وصولاً إلى بعض من هم في لبنان ولتكشف في الوقت عينه، عقم هذا الحلف “المفشكل” والذي أمضى اليومين الأخيرين تنظيراً، بين عروضه المغرية لتدريب جيش النظام السوري واستعداده للدخول على خط الحرب مباشرة دفاعاً عن أشخاص لا عن شعوب مظلومة، ودائماً من بوابة لبنان وليس من طهران.
التدخل العلني لـ”حزب الله” في الشأن السوري وتصريحات أمينه العام السيد حسن نصر الله بأن حزبه لن يسمح بسقوط النظام السوري، يُضاف اليها تصريحات القادة الإيرانيين بأن أمن بلادهم يمتد إلى شرق المتوسط وتحديداً إلى جبهة جنوب لبنان التي باتت منصّة لصواريخ الحرس الثوري الإيراني، وأيضاً في ظل غياب التفاهم الأميركي – الروسي على إنهاء الحرب في سوريا، من شأنه أن يزيد الأمور تعقيداً خلال المرحلة المقبلة، وعليه يجب توقّع مزيد من القتلى في صفوف “حزب الله” ومزيد من الغارات الإسرائيلية على سوريا وربما لبنان، وفي هذه الحال من يدري، فقد يطل علينا لاحقاً قائد الحرس الثوري ليسمعنا “نكتة” جديدة بأن بلاده مستعدة لتدريب مقاتلين من “حزب الله”.
في ظل ما يجري من غارات إسرائيلية على سوريا وطلعات جوية فوق الأراضي اللبنانية، لم نسمع كلمة فصل لـ”الممانعة” ولم يخرج من يقول نحن “الممانعون” هنا، ففي السابق قُصفت “الممانعة” في غزة، فأتخذ “حزب الله” موقف المتفرّج تاركاً حلفاء الأمس يواجهون مصيرهم لوحدهم، قبلها وبعدها، كان اجتياح الأراضي اللبنانية فأطلقت كل من طهران وسوريا العنان لإذاعاتهما المرئية والمسموعة لإسماع العالم الأناشيد الثورية، واليوم يقصف أحد الأنظمة “الممانعة”.. فهل من ممانع يمنع يرد؟.