لقد اختار احدهم على الموقع الإلكتروني لـ”التيار الوطني الحر”، استحضار رواية “مزرعة الحيوانات” للكاتب جورج أورويل، ليسقطها ضمناً، ولكن بشكل نافر، على ما يعتبره حالة تسود حزب “القوات اللبنانية”، مشبّهاً ما يحصل في “الحزب” بما حصل في المزرعة، حيث “تمردت الحيوانات بقيادة الحصان على جور صاحب المزرعة، وانتصرت، على رغم العرقلة التي واجهتها من الخنزير، الذي سرعان ما سيطر على المزرعة نتيجة الحسابات الداخلية وسياسات الطعن في الظهر والسعي بأي ثمن إلى السلطة والمال، ليستعيد ممارسات صاحب المزرعة”.
واستحضر المدعو كاتب المقال من وصفه بـ “مقاوم قديم ليستنطقه عن “مرارة رميه ورفاقه خارج الحزب، من قبل خنزير ما، تبوأ السلطة مضطهداً رفاقه ولا سيما الحصان، لتنتفي القضية لمصلحة العائلة والتملق وجماعة البويا”، وصولاً إلى حيث يسأل “المقاومُ القديم”: “لماذا لا نُعامَل كمناضلي التيار الوطني الحر على الأقل، فالعماد عون، وحتى لو لم نكن معه في السياسة، نحترمه كثيراً لأنه يقيم وزناً لكل من وقف معه، ونرى اليوم المناضلين من وزراء ونواب وحتى إعلاميين هم دينامو التيار وفخره”.
هذه خلاصة المقال الرؤيوي للمدعو كاتب المقال، والحقيقة أنه لا أجاد ولا جاءت بضاعته من الجودة بمكان، بل عكس في ما كتب إسفافاً ينمّ عن عقدة نقص سياسي حيال حزب ينمو بالحكمة والقامة، مقابل تيار لا تنظيم حزبياً له، ويفتقر إلى أدنى مقومات العمل المؤسساتي.
ولذلك لا بد من وضع بعض النقاط على الحروف:
أولاً: إن الادعاءات التي حمّلها الكاتب متذاكياً للحزب “المستتر”، تصح تماماً على تياره. فأول ما تبادر إلى ذهني هو ما آل إليه أبرز رفاق العماد عون وأيقونات “التيار الوطني الحر” ونضالاته، عنيت الحكماء الأربعة، اللواء عصام أبو جمرة رفيق العمر والسلاح والنفي، والعميد نديم لطيف عميد الأوادم والمناضلين في وجه سلطة الوصاية، وصولاً إلى الاعتقال والأذلال، يوم كان الجنرال في دارته الباريسية، والقاضيان الكبيران يوسف سعدالله الخوري وسليم العازار اللذين كانا بمنزلة ضمير التيار وحراس الحق فيه.
لا عجب، والحالة هذه، أن يدافع الكاتب عن مجموعة تحمل تسمية “مقاومين قدامى” ممن توقف بهم الزمن، ولم يعد همّهم إلا اشتراط تولّي مناصب قيادية، وهم الذين غابوا غيبة أهل الكهف في عزّ القمع والتنكيل والاغتيال والإعتقال، فلم ينبسوا ببنت شفة ولم يكلفوا خاطرهم أن يبادروا إلى تحرك ولو رمزي يذكّر ببطولاتهم ونضالاتهم! ليأتي اليوم الذي يعودون فيه بكروشهم والسلاسل المذهبة التي تزين حللهم القشيبة والدنانير التي تُغدق عليهم من زوار الليل، تأكيداً على صفتهم المقاومة! بينما في المقابل، تطول لائحة المناضلين في التيار الوطني الحر الذين استُبعدوا من المواقع التي يستحقونها، لأنهم لا يملكون مالاً لضخه، أو لا يملكون أصواتاً من خزان الفساد التقليدي الذي يدّعي الكاتب وجماعته أنهم يحاربونه بإصلاحهم المزعوم أو لأنهم تجرّأوا على انتقاد بعض الخيارات التي تمسح بالأرض أبرز بنود الوثيقة التأسيسية للتيار!
هل تريد يا “اعلامي” أن أذكرك بقوافل المناضلين في تيارك الذين تركوه طوعاً خائبين أو أبعِدوا عنه لحسابات مصلحية، وبعضهم رموز وأسماء بارزة ؟
هل تريد أن أذكرك بالنقمة العارمة لدى كوادر “التيار” في كل استحقاق انتخابي، عندما تفتح الرابية بازارها أمام صيادي الفرص والمقاعد ودافعي الأموال وحاملي أصوات قبائلهم وعشائرهم في خدمة الإصلاح والتغيير؟
هل تريد أن أذكرك بثمن العقارات التي دفعته إحداهن لقاء مقعد، وباستدراج أربعة مرشحين من فتوح كسروان دفعوا الاموال الطائلة وقسماً كبيراً من جنى عمرهم طمعاً بالترشح، فتم رميهم على قارعة الرابية، والنقمة في قلوب اتباع التيار؟
هل تريد أن ألفتك إلى البازار الناشط اليوم خصوصاً في كسروان والمتن، مع أكثر من مرشح من خارج “التيار” قيل له: روح اشتغل ومنشوف! لينصرف إلى دفع الشيكات في الحفلات والعشاوات، متنافساً حتى مع رفاق له في “التيار”، ينقمون… ويصمتون؟
ثانياً: أما في ما يتعلق بحكم العائلة، فهو ما ينطبق تماماً على تيارك، صهر له الصدارة ووجه الصحارة والخزائن والخزنات والوزارات المقرشة، وآخر يضعه على رأس تلفزيون يمتص مساهمات الأنصار، وابن أخت قدم له النيابة ويوزعه حصرياً على اللجان، وشركات إعلانية تخص الحاشية وتخصص لها الموازنات الدعائية، واكيد “الاذكياء” والمتحمّسين من امثالك “ما رح يطلعلون شي…”.
ثالثاً: شتّان بين “حزب” أنجز نظامه الداخلي وشرعته السياسية وأطلق عملية الإنتساب، ويعترف له الخصم قبل الصديق بحسن تنظيمه واحتراف أدائه المؤسساتي، وبين تيار يجتمع نوابه ووزراؤه على “طاولة السفرة”، ويحتكر زعيمه النطق باسمه، والجميع من حوله كومبارس.
رابعاً: إن الإستعانة بقصة أورويل غير موفقة، إلا إذا أُسقطت على “تيار” كاتب المقال، ولا بد في أي حال، ونظراً لما تمتع به مقاله من ذكاء لافت ورؤية نادرة، والشيء بالشيء يذكر، أن أورد مضمون قصيدة من أراجيز جان دولافونتين الخرافية، علّ فيها عبرة:
القصيدة بعنوان ” البغل الذي يفخر بنسبه”
يقول دولافونتين: إن بغلاً لأسقف كان يعتدّ بنفسه ويعتقد بنبله، ولم يكن يكف عن الكلام على والدته الفرس، محدثاً عن بطولاتها، ولذلك رأى البغل أنه يستحق الدخول في التاريخ!
وعندما نُقل البغل من خدمة الأسقف إلى خدمة طبيب، اعتبر أن قيمته تعرضت للإنتقاص، حتى أحيل أخيراً، وقد بات عجوزاً، على العمل في الطاحون، وحينها فقط، تذكّر البغل أباه الحمار!!
ويخلص دولافونتين إلى القول: عندما لا تكون المأساة صالحة إلا لإعادة غبي إلى رشده، فهي تصلح أيضا كي يقال إنه صالح لشيء ما.
هداك الله.!