|
|
||||||
لم يكن تيار “المستقبل” بحاجة الى كتاب “الإفتراء” لإظهار حقيقة الهيكلية الكرتونية لأصحاب كتاب “الإبراء”، ولإعلام الرأي العام أن هذه الهيكلية بدءاً برأس هرمها لم تبنِ شخصيتها إلا على معاداة الآخرين ومخاصمة أكثر من نصف اللبنانيين الذين لا يشاطرونها مغامراتها الانتحارية.
أما وأن الحالة مع هذا الفريق تعدّت منطوق الخلاف السياسي، والاتهامات المسموحة في بلد يتمتع بالحدّ الأدنى من الحريات، وانصرف الى استكمال الاغتيال الجسدي لرفيق الحريري بالاغتيال المعنوي والسياسي، وضرب مشروعه الوطني والعمراني، واغتيال إرثه السياسي على طريقة الـ(one way ticket)، بما يثبت بالدليل القاطع أن الحلف الجهنمي الذي اغتال رفيق الحريري، لا يزال مستمراً في مشروعه الإجرامي والتدميري، وليتحول ليس مجرّد شريك مضارب في مخطط هدم بنيان الدولة، إنما رأس حربة هذا المشروع ينفذه بدقة متناهية كما يرسم أسياده المحليون والإقليميون عرباً كانوا أم عجماً.
لا شكّ في أن الإحاطة التي تضمنها كتاب “الإفتراء في كتاب الإبراء” كافية للإجابة عن كل ادعاءات الزور والبهتان التي انطوت عليها تلفيقات الكتاب العوني، لكنها جاءت في موضعها ووقتها المناسب لتزيل من عقول اللبنانيين ما قد يكون رسخ في ذهن بعض من قرأ كتاب “الإبراء” وهم قلّة قليلة على كل حال، لأن السواد الأعظم من اللبنانيين خَبِر التجربة العونية القائمة على الأضاليل والشعارات الفارغة، وعلى ادعاء العفّة والفضيلة وممارسة ما هو عكسها تماماً. وليس أدل على ذلك من إنقلاب جنرال البطولات الوهمية ليس على “تاريخه” فحسب، إنما على تضحيات كل الذين صدّقوا مزاعمه في يوم من الأيام، وعلى دماء الذين قضوا في سبيل شعارات خُدعوا بها قبل أن يتركهم جنرالهم على الجبهات يواجهون مصيرهم المحتوم ويفرّ مذعوراً.
المفارقة الغريبة التي تضمنها كتاب “الإفتراء” والتي لم يكن يعلمها السواد الأعظم من اللبنانيين، أن الاتهامات التي صمّ النواب العونيون آذان اللبنانيين بها من غياب قطع الحساب وحسابات المهمة وتصفير حسابات الدولة، لم يكن سببها إلا ما جنته يدا الجنرال عون ما بين عامي 1988 و1992، أي إثر تسلّمه الحكومة العسكرية وبعدها مرحلة “اغتصاب” السلطة بعد إبرام اتفاق الطائف وتمرده على الشرعية، ومن ثمّ تعمّده قصف وزارة المالية وإتلاف مستنداتها ووثائقها ليخفي بها جرائمه المالية وحقيقة الأموال التي تبخرت في مرحلة اغتصابه السلطة.
يكفي أن الردّ جاء واضحاً ومحكماً على الأضاليل العونية الـ16، التي ساقها كتاب “الإبراء”، بدءاً من طريقة الإنفاق ما بين 1993 و2010، ثم الحسابات المالية النهائية وسلفات الخزينة والهبات مروراً بالدين العام والمشاريع من “الخليوي” وصولاً الى “سوكلين”، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، إذا كان الواقع الذي أرسته السياسات الحريرية خاطئ، فلماذا لم يغيره تيار “الإفتراء والتشويه” (على حدّ تسميته التي وردت في الكتاب) الذي كان الحاكم شبه المطلق في السنتين الأخيرتين؟، وإذا كان الجنرال عون ينصح معدّي هذا الكتاب بملاقاته الى القضاء لمنازلته هناك، لماذا لم يقدم هو الملفات التي تدين أخصامه؟، أم أنه يعلم حقيقة أن افتراءاته سبق وأحيلت الى القضاء في بداية العهد اللحودي، يوم كان القضاء في قبضة العهد المشؤوم، وكانت “إخبارات” المواطن الصالح تفتك بكرامات الناس، لكنها جميعها حفظت لفقدان الأدلة على صحتها؟.
وطالما أن الشيء بالشيء يذكر، وبالاستناد الى الوقائع المفصلة في هذا الكتاب، هل يجرؤ العماد عون على المثول أمام القضاء لمساءلته على ملايين الدولارات التي استولى عليها من خزينة الدولة، وحولها الى حساباته الخاصة وحسابات زوجته في الخارج؟، لماذا لم يتجرّأ حتى الآن على الإجابة بجملة واحدة عن صور الشيكات والحوالات التي كان يوقعها بخط يده ويوجهها الى المصارف لتحويل الأموال الى الخارج خلال فترة لجوئه الى السفارة الفرنسية والتي نشرت في العديد من الصحف والمجلات؟، لماذا لم يبادر مناصرو عون وجمهوره الى سؤاله عن مصدر هذه الأموال التي حولها الى الخارج، والتي يُحكى أنها بلغت 183 مليون دولار؟، وإذا كان كفّه نظيفاً كما يزعم، من أين له هذه الأموال الطائلة؟ وما هي مصادرها ومصادر أموال صهره جبران باسيل، علماً أن الجنرال كان يدعي وهو في منفاه الذهبي أن الدولة حجزت له راتبه الشهري؟.
صحيح أن الجنرال عون يتحدى تيار “المستقبل” بمنازلته الى القضاء، لكن الأصح أنه لا يجرؤ على هذه المنازلة، وهو الذي يعلم أن ملفه المالي لا يزال عالقاً وهو الذي لم يتجرأ على العودة الى لبنان خوفاً من توقيفه في المطار، قبل أن يبرم مع الفريق السوري صفقة العودة، ويعلّق هذا الفريق مذكرة التوقيف الصادرة بحقه عن المحقق العدلي الذي كان يلاحقه بجرائم “اغتصاب السلطة والاستيلاء على أموال الخزينة العامة بطرق غير مشروعة”.
إن القراءة المعمقة لمضمون كتاب “الإفتراء”، لا تدع مجالاً للشك، بأن نهج العماد عون هو نهج تضليلي، هذا النهج الذي بدأ مع تسلمه الحكومة العسكرية في العام 1988، وخلّف مآسي لا تزال آثارها ماثلة حتى اليوم، يعود منذ مجيئه الى لبنان في العام 2005، ليهدم ما بناه رفيق الحريري وكل الشرفاء في هذا الوطن، وليس خافياً على أحد أن معاول الهدم العونية تعمل الآن على أكثر من جبهة، أولها الجبهة العسكرية التي يناصر فيها حليفه “حزب الله” في ارتكاباته في الداخل سواء في 7 أيار 2008 وقبله وبعده، وصولاً الى دوره التدميري في سوريا، وثانيها جبهة تهديم الدولة ومؤسساتها وتفريغ مقوماتها، والإطباق عليها بوزراء احترفوا إفلاسها، أما الجبهة الثالثة وهي الأكثر أهمية بنظر عون وفريقه في هذه المرحلة، فهي هدم مشروع رفيق الحريري السياسي والوطني والإعماري، ومردّ ذلك لسببين، الأول أن هذا المشروع هو نقيض وجود عون وتياره، والثاني أن مشروع الحريري يملك رؤية بناء لبنان الدولة ليكون منارة الشرق وإلحاقه بركب الدول المتقدمة، وهذا ما يتعارض مع الناجحين في إغراق البلد في العتمة والبارعين في قطع أوصاله واتصالاته، والغافلين عن محو آثاره وثقافته وسياحته وحتى حضارته.