يتابع المراقبون باهتمام كبير ما سينتج عن الجلسة العامة التي دعا إليها رئيس مجلس النواب نبيه بري في الخامس عشر من أيار الجاري للبحث في قانون الانتخابات، وما إذا كانت البلاد ستتجه فعلاً إلى إجراء الانتخابات التشريعية وفقاً لما هو مقرر في 19 حزيران المقبل، أم أن التمديد الفعلي تحت مسمّى التأجيل التقني، هو الذي سيفضي إليه الاجتماع النيابي الذي بشّر الرئيس بري انه سيكون على جلسات متتالية إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
وكان قد جرى التداول في سيناريوات عدّة محتملة لما ستكون عليه الهيئة العامة لمجلس النواب في الأسبوع المقبل، منها أن يبادر الرئيس بري إلى طرح مشروع قانون “اللقاء الارثوذكسي” على التصويت، على الرغم من الاعتراضات الكبيرة التي تواجه هذا المشروع التفتيتي والفتنوي، أو أن يطرح المشروع الذي سبق أن أحالته حكومة تصريف الأعمال برئاسة نجيب ميقاتي على التصويت، أو أن تصبح الهيئة العامة برئاسة بري “لجنة تواصل” نيابية تناقش مشروع القانون المختلط الذي بدا حتى الساعات القليلة الماضية أنه الحلّ الأنسب لكنه يحتاج إلى بضعة “رتوشات” قبل أن يصبح قانوناً مقبولاً بنسبة كبيرة من القوى السياسية.
لكن في هذا الإطار، لا بد من الإشارة إلى الحراك المكثّف الذي تقوم به البطريركية المارونية عبر رئيس أساقفة بيروت المطران بولس مطر والنائب البطريركي العام المطران سمير مظلوم اللذين يقومان بتكليف من البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي بسلسلة اتصالات مكثّفة تهدف إلى تجنيب لبنان الكأس المرة للتمديد والدفع باتجاه التوافق على إنتاج قانون انتخابي جديد يحظى بأوسع مروحة من تأييد القوى السياسية، تتيح إجراء الانتخابات النيابية وضمان استمرار التداول في السلطة والمحافظة على ما تبقّى من الصورة الديموقراطية للبنان.
ولا يخفي المطران مطر تفاؤله بإمكان التوصل إلى توافق حول قانون مختلط، لا سيّما وأنه لمس هذا التوجه بعد اللقاءات التي عقدها مع الرئيس بري والنائب وليد جنبلاط والرئيس فؤاد السنيورة ووضع رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في صورتها.
في السيناريو الأول، سحب الرئيس بري مشروع “اللقاء الارثوذكسي” عن جدول الأعمال بعدما أبلغه عضو كتلة “المستقبل” النائب أحمد فتفت أن جدول الأعمال من صلاحية هيئة مكتب المجلس ولا يجوز له التفرّد بوضعه، علماً أنه في واقع الأمر لم يكن على جدول الأعمال المسرّب سوى بند وحيد، وبالتالي فإن الرئيس بري سحب جدول الأعمال بالكامل، لكن الأمر لا يتوقف عند تحديد بنود جدول الأعمال ولا سيما في ما يتعلق بمشروع القانون “الارثوذكسي”، إذ ان المسألة تتعدى ذلك لبحث ما يمكن أن يحدث في حال طرح المشروع على التصويت.
من المعروف أن موقف كتلة “المستقبل” ومعها كتلة جبهة “النضال الوطني” بما تمثلان، هو الانسحاب من الجلسة فور طرح المشروع على التصويت، وسينسحب معهما الرئيس نجيب ميقاتي والوزير أحمد كرامي، وكذلك سينضم إليهما النواب المسيحيون المستقلون، فهل تكون الجلسة ميثاقية إذا حدث ذلك؟ وهل يستمر الرئيس بري في طرح المشروع على التصويت؟ ربما لا يفعل. لكن إذا فعل، هل سيحظى هذا القانون بالأكثرية في ظل الموقف المتردد لرئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع الذي حاول إقناع الوزير جبران باسيل والنائب السابق لرئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي خلال اللقاء المفاجأة في معراب، بعدم جدوى السير في هذا المشروع؟
إن سقوط مشروع “الارثوذكسي” بالتصويت في الهيئة العامة سيقدّم من دون شك لرئيس تكتل “التغيير والإصلاح” النائب ميشال عون ورقة رابحة بوجه خصومه على الساحة المسيحية وتحديداً بوجه “القوات اللبنانية” إذ سيستخدمها للترويج أمام القاعدة الشعبية المسيحية انه كان ولا يزال يقدّم المصلحة المسيحية على سواها وبالتالي فإن من تخاذل وتراجع عن هذه المهمة “النبيلة” هو جعجع و”القوات”، ما سيرفع من أسهمه الانتخابية حتى لو اضطر إلى خوض الاستحقاق بموجب القانون النافذ حالياً الذي تمكّن من خلاله من “إرجاع الحق لأصحابه” لكنه تحوّل فجأة إلى “قاهر” لحقوق المسيحيين ولا يؤمّن لهم “صحة التمثيل”.
لكن إذا مرّ القانون بالتصويت فدونه عقبات، أولها وأهمّها الطعن الذي سيتقدّم به رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، لعدم ميثاقية القانون ولعدم دستوريته، ومن المعطيات المتوفرة، لا يبدو إمكان القبول بالطعن وردّه من قبل المجلس الدستوري بعيداً، ما يجعل العمل بقانون الدوحة نافذاً حكماً.
وبما أن المعارضة الكبيرة بوجه مشروع قانون “اللقاء الأرثوذكسي” تواجهها معارضة أشرس بوجه قانون الدوحة، فإن المجلس النيابي يجد نفسه امام حل من اثنين، إما أن يصل في ختام الجلسة العامة إلى عدم توافق لإنتاج قانون انتخابي جديد وبالتالي يقفل ابوابه في التاسع عشر من الشهر الجاري مع انتهاء العمل بقانون تعليق المهل، مسلّماً الأمر حكماً إلى وزير الداخلية الذي سيدعو إلى تمديد مهلة تقديم الترشيحات حتى 24 أيار لإجراء الانتخابات بموجب قانون الدوحة، أو انه قبل أن يصل إلى هذا الباب الموصود سيعمد إلى تمديد ولايته لفترة ستة أشهر تسمّى حيناً “تأجيلاً تقنياً” للانتخابات، لكنها في الواقع ليست سوى تمديد للمجلس، وقد سبق من عايش فترة الحرب الأهلية أن شهد مثل هذا التمديد لمجلس 1972 الذي استمر بحكم القوة القاهرة حتى العام 1992.
إذاَ، تبدو الأمور متجهة إلى التمديد للمجلس الحالي وإن كانت المبررات ستكون التأجيل التقني للانتخابات، لكن السؤال يبقى كيف سيكون الإخراج الذي سيعتمد وسيلة للمصادقة على هذا التمديد؟