تعدّدت الصيغ في فهم المواطنيّة، لكنّ المُعادِل الموضوعي الوحيد لهذا المفهوم يبقى الولاء للإنتماء، والذي ينبغي أن يرسخ في الوجدان الوطني التائق الى تبنّي هذا الخَيار والخضوع لمتوالياته. أمام هذه الحقيقة، تبرز، وبشكل سافر، تباينات في القناعات والأولويّات والإلتزامات، ما أدّى الى مجموعة من الأمراض والآفات التي استوطنت مواطنيّة كثيرين، وانسحبت على علاقتهم البديهيّة بشركائهم وبوطنهم.
أبرز الآفات التي استشرى توسّعها، هو الإدّعاء بالإندماجيّة والإستيعابيّة، أي القبول بالآخر ومشاركته. غير أنّ هذا الإندماج لم يحقّقه بعض أطياف مجتمعنا، فحركة التّداخل الوطني لا تزل شكليّة وقشريّة وبعيدة عن مقتضيات المشترك ومتطلّبات الوحدة في الإختلاف. فاليافطة التي يجب أن يتوحّد الجميع تحت عنوانها، مشوّشة واهية، تاركةً السّاحة لمشروع الأَسقف المتعدّدة والمتباينة والتي تمارس دورها التّمزيقيّ في توزيع الناس أفقياً وعاموديّاً، خصوصاً في اللّحظات التاريخية الصّعبة التي تقتضي أن تدفع جميع المكوّنات باتّجاه تجاوز الخلافات والحدّ من تأثيرها السّلبي على السّلامة والمصير.
لكنّ الإستعلاء، وهو وليد الطّاقة النّافرة عند بعض الشرائح، ينشط لإفشال الإندماج على قاعدة احترام التعدّد والتنوّع والتشارك، وما الخطابات السائدة سوى بيّنة دامغة على الإستئثار بالقرار وبالموقف، وتغذية خطيرة لحالة التشظّي، وغطاء للتحريض الفتّاك النتائج.
إنّ الواقع الكارثيّ المَعيوش هو نتاج الخيارات السياسيّة والإيديولوجيّة السّاعية الى تجسير التواصل مع الخارج فوق فجوة القطيعة مع الداخل. أو بالأحرى، ترسيخ ثقافة التبعيّة التي أخذت تتّقد مع خطّة إعادة صياغة المنطقة وفقاً للمصالح الفارسيّة، فتفوّق معها المُصطلح الأيديولوجي على المُصطلح التوافقي، وبات النّقاش في هذا المنحى غرائبيّاً لانتفاء أوّليّات التوافق نفسها. ولا يمكن بالتالي مقاربة ما يجري إلاّ من منظار الثورة المُقنّعة لقلب المنظومة الوطنيّة بأسلوب القضم المنهجيّ، ليس للمؤسّسات فحسب، بل للقرار الذي أصبح بالكامل في جيب التَبَعيّين. ما يطرح الإشكاليّة الإستراتيجيّة التالية: “إلى أيّ مدى سوف تصل ماكينة القمع المُنَظَّم وقرصنة الوكالة والتسلّط على الخيارات، في اقتباس لبرنامج الخارج؟”.
إنّ الشعب اللبناني قد عاين، لا بل عايش نتائج أقلمة التّابع مع المتبوع في سياقها الزّمني، والتي لم تُسفر إلاّ عن تأبيد لمعاناة الوطن، وإلحاق قسريّ بمشروع سياسيّ من أبرز كوارثه تضييع الهوية الوطنية، والإنسلاخ عن المحيط القوميّ، والإنصياع الأعمى لخطّ مُتَعَفّن انتهت صلاحيّته الحضاريّة، بالإضافة الى خطر اندلاع الفتنة والحرب اللّذَين ذاق اللبنانيّون مرّهما إبّان مغامرات التبعيّين “المحسوبة”. هذا الشعب لن يتقبّل إنتماءات لغير وطنه، ولن يجيّر صناعة قراره لمُتَهوّرين خارج الخارطة، من فولكلورهم الغزو والإستغلال والهيمنة واستغلال إخضاع “الأطراف” لخُطَط التوسّع والمواجهة.
إنّ الإستعمار الجديد لن يمرّ، لأنّ الكرامة عندنا ليست خُرافة، فعلى الأدوات البلديّة أن تستقيل من وظيفة الإلحاق، وأن تُعيد ضخّ الحياة في أصالتها غير المشكوك بحضورها ولو المُنَوَّم، لتتمّ عودة الوطن من غربته مَنيعاً مُحيَّداً عن الصراعات القاتلة، جديراً بكلّ أبنائه. فاستفيقوا قبل أن يلعنكم التاريخ.