#adsense

هل طالت مدّة التأليف؟

حجم الخط

يوم طرحت مدّة التأليف على بساط البحث لدى اقتراح التعديلات الدستورية في مؤتمر الطائف، دارت النقاشات بين مؤيّد لوضع مهلة معيّنة وبين رافض لها. وفي هذا الصدد يقول نائب رئيس المجلس النيابي السابق ميشال معلولي الذي شارك في المؤتمر إنه تمّ الاتفاق حينذاك على إعطاء الرئيس المكلّف مهلة أقصاها شهراً لتأليف الحكومة، وقد رأى الرئيس صائب سلام يومذاك، أنّ تحديد المهلة معناه تقييد الرئيس المكلّف، وارتأى تدوين هذه المهلة في محاضر الطائف لا في الاتفاق، على أن يُترك الرئيس المكلّف لضميره ووجدانه.

نشير هنا إلى أنّ بعض الدساتير تنصّ على تصويت المجلس النيابي لمنح الثقة لشخص رئيس الحكومة، فإذا نالها يعود له أن يؤلّف الحكومة وهذا الأمر مطبّق في إسبانيا وطبّق أيضاً في الدستور الفرنسي في ظلّ الجمهورية الرابعة. وهذا ما اقتُرح في الطائف، إلا أنّ الزعماء السنّة رفضوا ذلك مفضّلين إبقاء تكليف رئيس الحكومة خاضعاً لتأثير رئيس الجمهورية بدلاً من جعله خاضعاً لتأثير رئيس المجلس النيابي.

وبين ما دار من مناقشات في مؤتمر الطائف وما دوّن في محاضره بالنسبة إلى المدّة المعقولة للرئيس المكلّف للتأليف، يأتيك الواقع السياسي اللبناني الجديد الذي تكرّس قبل اتفاق الدوحة المشؤوم وبعده، إذ إنّ قوى “8 آذار” لا تستطيع أن تشكّل لوحدها الأكثرية إلا إذا انضمّت إليها كتلة النائب وليد جنبلاط، وهذا ما قامت به عندما ألّفت الحكومة برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي لأنها تعتبر أنها تؤلّف في هذه الحال الأكثرية النيابية وهذا صحيح عددياً، أمّا إذا اختار جنبلاط تسمية أحد الشخصيات المحسوبة على قوى “14 آذار” فعندها تتناسى قوى “8 آذار” مفهوم الأكثرية التي تشكّل الحكومة وتطالب بتأليف حكومة وحدة وطنية وفقاً لحجم الكتل النيابية! وهذا ما لا تقبله في الحال الأولى (يوم يكون جنبلاط مؤيّداً شخصية قريبة من “8 آذار” أو شخصية تقبل بأن ترأس حكومة تُمثّل بغالبيتها “8 آذار”). وعليه، فإنّ هذه التجربة المتكرّرة منذ خروج الاحتلال السوري من لبنان تكاد تتكرّس قبل اتفاق الدوحة وبعده، حتى باتت المكبّل الأكبر والعائق الأساسي أمام ولادة الحكومة. ومن جهة أخرى، تكاد تتكرّس فكرة المطالبة بالثلث المعطّل التي تكبّل أيضاً ولادة الحكومة، وإذا اعتمد المنطق الذي أشرنا إليه أعلاه، فإن التمثيل النسبي يجعل حكماً قوى “8 آذار” تملك الثلث المعطل بما يطرح عائقاً جديداً أمام تأليف الحكومة. وضمن السياق عينه تطرح إشكالية جدية حول إمكان دخول قوى “14 آذار” في حكومة تملك فيها “8 آذار” ثلثاً معطلاً؟ خصوصاً أنها لُدِغت من هذا الجُحر مرتين في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة يوم استقال الوزراء الشيعة وفي حكومة “الوحدة الوطنية” التي رأسها آنذاك الرئيس سعد الحريري.

كل هذه العوائق تجعل من مسألة التأليف صعبة، ومع استبعاد تأليف حكومة من التكنوقراطيين غير المرشحين، يزداد التأليف صعوبة الى صعوبة. وفي ظلّ هذا الواقع السياسي المكرّس وذاك المستجد، ولحسم التأليف، نشير هنا إلى دور رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف في هذا الصدد، خصوصاً أنّ الدستور أناط بهما في الأساس التأليف مع الحفاظ على دور القوى السياسية التي لها كلمتها. فهل يؤخذ تعطيل البلاد وشلّها في الاعتبار؟ إذ إنّ التأخر في التأليف له تأثيره المعنوي السلبي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً في لبنان؟

إذا تخلّت القوى السياسية عن مفاهيمها الخاصة ونظرتها إلى التأليف اللتين تكبّلان البلاد، خصوصاً أنّ هذه الحكومة ستُجري فقط الانتخابات، فلا داعٍ عندها لوجود كل القوى السياسية داخل الحكومة لأنّ من يمثّل هذه القوى لا بدّ من أن يكون مرشحاً. وعليه، إذا بقيَ التأليف عالقاً بين تجاذب القوى السياسية التي لا تركن إلى مفاهيم النظام البرلماني المتمثل في حكم الأكثرية متى توافرت، وبين حكومة تكنوقراط من غير المرشحين لإجراء الانتخابات بعدما فُقدت الأكثرية النيابية وتبعثرت، فإن آلية سير النظام البرلماني لن تسلك مسارها الطبيعي. وكلما انتُهكت هذه القواعد العلمية إعوجّت آلية الحكم وتضرّر الوطن والمواطن.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل