هذه هي إسرائيل. لا يؤمن لها جانب ولا يُدار لها ظهر. من خصالها الغدر ومن “خلائقها” العدوان. طائراتها تحوم فوق الأراضي اللبنانية وجيشها يشن غارات بربرية على غزة مُوقعاً الضحايا والشهداء. وها هي تكمل دورتها الهمجية بغارات على الأراضي السورية العربية. غارات في قلب دمشق ومن بضعة أشهر على المنشآت “النووية” في دير الزور وقبلها تحويم فوق العاصمة السورية وصولاً إلى القصر الجمهوري (قصر النظام) وهل يمكن فصل السياسة الاسرائيلية باستراتيجياتها العنصرية الدينية عن تواريخها؟ بل وهل يمكن فصل قيام اسرائيل في نهاية الأربعينات عن قيام الانقلابات العسكرية الثورية العربية. ظاهرتان تلازمتا وغذتا بعضهما: الأنظمة الشمولية العربية تمت على انقاض الحريات والديموقراطية والحقوق المدنية بأدوات القمع والاغتيال،…. وصولاً إلى الهزيمة. وفي المقابل تنامي المشروع التوسعي الصهيوني (بعد 1967 وصولاً إلى اليوم)، في فلسطين، واستمرار اسرائيل في قضم الأراضي وإقامة المستوطنات ومحاولة ضرب كل مشروع لقيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس وقابلة للحياة.
فاسرائيل “ثلَّثت” اعتداءاتها على غزة، وعلى الأجواء اللبنانية، وقصف دمشق. رائع! أما مسألة غزة فهناك مقاومة تواجه الطاغوت الصهيوني. وفي لبنان الذي كان مستباحاً من الاحتلال الاسرائيلي والوصايتين الإيرانية والسورية… فما زال مستباحاً من هذه الأطراف التي أهداها الباري إلى لبنان، نعماً، وممانعة، ومقاومة… ومواجهة و… انتهاكاً.
كل هذا الكلام معروف. نَستبعثُه اليوم بمناسبة العدوان على سيادة الأرض العربية السورية. وعلى هذا الأساس سنحاول تحديد بضع نقاط تتصل بما قبل الغارة وأثناءها وبعدها:
1ً فوجئ النظام المتهاوي بالغارة وبعنفها وبالخسائر العسكرية التي تكبدها ودامت 4 ساعات متواصلة من دون ان يعترف بأي خطأ “عسكري” أو “سياسي” أو أي تقصير سواء في توقع العدوان، أو في الرد عليه بمثله. لكن كالعادة، اجاب النظام الذي يقصف شعبه بالطيران الحربي، والسكود والكيميائي والدبابات والبراميل المتفجرة… انه سيحتفظ بحقه بالرد المناسب في الوقت المناسب! انه الرد الممانع التاريخي الذي حفظناه منذ 1973 حتى الآن. غزت اسرائيل لبنان… في عز هيمنة الجيش السوري عليه… ولم يأتِ رد! لا بمثله ولا بخلافه. وبدلاً من ذلك رد النظام بشن حرب على المقاومة الفلسطينية آنئذ في تل الزعتر حيث كانت الميليشيات المسيحية واجهة للقرار السوري الاسرائيلي الأميركي. ثم رد على العدوان الاسرائيلي بضرب المخيمات في الثمانينات لكن بواجهات بعض الميليشيات الشيعية ثم شمالاً بواجهات “فلسطينية” وعميلة (أحمد جبريل)، إذاً ردّ النظام السوري على غزو لبنان… بحرب على القضية الفلسطينية. وفي الحالين كانت اسرائيل هي الرابحة… لكن النظام شاركها بتثبيت “وجوده” في لبنان… مكافأة على مواقفه “الشجاعة” بمحاولة تصفية المقاومة الفلسطينية مداورة أو مباشرة!
2ً وإذا عدنا إلى المقولة التاريخية “الاحتفاظ” بحق الرد المناسب الذي تُوقّته الممانعة… فقد ترافق ذلك أو أُلحق بشعارين، الأول “ان الجيش السوري والشعب… وصمودهما” قادران على مواجهة اسرائيل عال: اما الجيش السوري.. فقد هُجّن تهجيناً باستجلاب ميليشيات حزب الله و”أفواج” فرقة القدس الإيرانية… وبمقاتلين شيعة من العراق. ويبدو ان هذا الواقع، غيّر التراتبيات والمسؤوليات فصار النظام أضعف الحلقات. (كما كان لبنان أيام الوصايات المتعاقبة) بل أصبح تحت الوصايتين الروسية والايرانية. وبات ما تبقى من الجيش مشرذماً بين ازدواجية الاستراتيجيات. فالجيش السوري جُدّد “بناؤه” بعد هزيمة 1973، ليكون جيش النظام… أو مجرد حرس للطغمة الحاكمة. أي جيشاً ليس مصنوعاً للدفاع عن أرضه… وانما لحماية مصالح أهل الحكم. أي انتقل من جيش “عمومي” وطني إلى جيش خاص.. فئوي؛ بمعنى آخر صار العسكر كالحياة السياسية، والاجتماعية في قبضة حزبية، عبر تنامي أجهزة المخابرات. واذا عرفنا ان الجيش تعرض، بعد الثورة الشعبية، لتشرذمات وانقسامات وانشقاقات عمودية وافقية، أدركنا ان ما تبقى منه بالكاد قادر على الدفاع عن دمشق نفسها، فما بالك بالتصدي للآلة العدوانية الصهيونية! فصمود الجيش كصمود أهل “الممانعة” بات ذا وجه ميليشيوي… تماماً ككتائب حزب الله التي استنجد بها النظام، ازاء الهزائم التي كبدته إياها الثورة. اما الشعب… فبات في أمكنة أخرى وفي مواقع أخرى في الوقت الذي ما زال النظام عند بدعة 99،96 بالمئة ومن الأبد إلى الأبد”. فَعَنْ أي شعب يتكلم النظام: عن أكثريته الثائرة، المطالبة برحيله؟ أم عن النازحين الذين وصلت اعدادهم بحسب احصاءات أخيرة إلى قرابة خمسة ملايين، هرباً من المجازر، والاعدامات والقتل والتطهير العرقي والدمار؛ فلا نعرف كيف يمكن أن يتكلم النظام عن شعب أكثريته ليست ضده فقط، بل ثائرة عليه حتى اسقاطه مع سقوط أكثر من مئة ألف قتيل.
3 ً أما الآية الرائعة التي صرح بها أحد “المفكرين” في المخابرات فتقول “ان اسرائيل فشلت في تحقيق أهدافها وبالتالي فالنظام انتصر وسبب الفشل أن اسرائيل كانت تبغي من غاراتها “اسقاط دمشق”… وبما أن دمشق لم تسقط، فقد هُزم العدو! وانتصرت ممانعة النظام وتصديها التاريخي وصمودها الستالينغرادي! هذه “العبقرية” تفتقت مثلها بعد هزيمة 1967: حين روج النظام السوري بأن اسرائيل لم تحقق أهدافها باحتلال الجولان لأن حربها كانت موجهة لاسقاط النظام… وها هي خسئت وأحبطت أصلاً. وبقي النظام مظفراً باعلامه الساحقة وبرموزه التاريخية. أي النظام أهم من الأرض. بل هو الأرض، اذا بقي بقيت! والمفارقة أن عبد الناصر اعترف بالنكسة وقدم استقالته، والنظام السوري اعلن نصراً مُبيناً على انقاض هزيمته.
والرد “المؤجل” على اسرائيل المعتدية، عُوّض عنه برد مباشر على الشعب السوري. فهذا الأخير الذي يهدد به النظام اسرائيل في معركة “للصمود” يعيش تحت القصف. فضرب الطيران الاسرائيلي دمشق، قابله النظام، وبخطوة باسلة وجريئة، بضرب المدن وتدمير المنازل والقرى والمنشآت: واحدة بواحدة. فيا اسرائيل (التي نعتب عليك كثيراً، ولو!) كل اعتداء تقومين به على منشآتنا العسكرية وصواريخنا… سنقابله برد عنيف، مماثل على شعبنا وأطفالنا… فاياك! ان تعيدي الكرة، لأنك ستُسببين بمجازر وخراب وضحايا…. وزلازل نحدثها في شعبنا “الأبي”! واحدة بواحدة. أضربينا فنرد بضرب سوريا! هذه هي المعادلة.
لكن الرد المؤجل على الغارات العبرية اكمل المعادلة بغارات على الفلسطينيين (مخيم اليرموك) وتدمير ما تبقى من بيوتهم ومحالهم وتهجير السكان. أيضاً واحدة يا اسرائيل بواحدة. تقصفين أسلحتنا… ونحن نرد بقصف الفلسطينيين المقيمين على أرضنا في مخيم اليرموك ألا ترضيك هذه المعادلة؟ جربي.
4 ً أما رائعة الروائع والعجائب فاعتبار وزير الاعلام السوري الزعبي ان الهجوم الاسرائيلي على سوريا، هو بمثابة إعلان حرب. (كرر هذا الموقف ما غيرو أبو المواقف الوطنية ميشال عون) اعلان حرب؟ وهنا تساءل الناس: أيعني ذلك انه كانت هناك بين النظام وبين العدو الذي يحتل الجولان ومزارع شبعا حالة سلم؟ يعني اتفاقاَ ضمنياً… يقوم على ابقاء حال الجولان محتلاًَ ومُهوّداً… وهادئاً (حديقة زغاليل وبط ويمام وحمام وياسمين وعصافير)، لتنتقل المعارك (منذ أربعين عاماً) إلى لبنان: انها الممانعة! اقصد أن حالة السلم مع المحتل هي ممانعة “صامتة”.. في سوريا.. ومسلّحة ومقاومة في لبنان. معادلة عبقرية يا هوو! والمضحك أن النظام ومرتزقته وولاية الفقيه عبر ربيبه حزب الله، كانوا يتهمون كل من يطالب من اللبنانيين بهدنة مشروطة مع اسرائيل بالخيانة. والعمالة. فلا هدنة. ولا استعادة لمزارع شبعا إلا بالحرب. لا حوار. لا اتفاق، لا شيء! وكل من يتفوه بهذه الأفكار “هو عميل”.. يستحق الاعدام. إذاً الممانعة في سوريا هي استسلام. والممانعة في لبنان حروب ومقاومة ابدية حتى ولو انسحب العدو. يعني لا مقاومة في أرض محتلة (الجولان)، ومقاومة على ارض محرّرة (لبنان)! فانتازيا! يُروّج لها المأجورون عند الحزب والنظام وولاية الفقيه! لكن النظام، وبايمانه بالوطن وتحريره الارض (مع قرينه الحزب الالهي، حزب التحرير وعدو السيادة) حطّم القاعدة: لن يفتح جبهة في الجولان مع المحتل، فالأرض السورية من شأن الآخرين: وبعد قصف مخيم اليرموك، ها هو يهدد بالسماح للفلسطينيين (بتوع جبريل ربما!) بمواجهة اسرائيل! فهذا يعني ذلك ان النظام كان يمنع كل انسان سواء كان فلسطينياً أو سورياً… أو لبنانياً، برمي وردة على الجيش الصهيوني المحتل. بل ونفهم ان الجيش السوري نفسه كان يحمي الجيش الصهيوني المحتل؟ وأن على الفلسطينيين المنكوبين بالنظام وباسرائيل.. ان يدافعوا عن الجولان ليتفرغ النظام لمحاربة التكفيريين والارهابيين! فهو لا يحارب الارهاب الصهيوني الذي هَوّد قسماً من بلاده… بل الثوار الذين وصمهم بالارهاب. فهو الاختصاصي بقتل شعبه ومن هنا نفهم ان حزب ايران في لبنان (ما غيرو) لم يقصد الجولان لتحريره (كما ارسله النظام وإيران لتحرير الجنوب وتسليمه لهما) وانما الشعب السوري ولم يذهب لتحرير الجولان، بل غزا سوريا دفاعاً عن النظام بأمر عمليات من اربابه في بلاد فارس! فتحرير أرض “الأمة” ليس من اهتمامه إذا لم يكن يخدم هذا التحرير مطامع الوصايتين ومصالحهما! وهل سمعتم مرة واحدة من ان احد اعضاء حزب الله، من فوق إلى تحت، تفوه باسم “الجولان” على لسانه المصون أو “الجزر العربية الثلاث التي تحتلها إيران: “طمب الكبرى وطمب الصغرى وأبو موسى؟!” . فهذه الأرض بما أن ايران وضعتها على الخارطة الفارسية فهي فارسية! وكل مطالبة عربية بتحريرها ليست أكثر من موقف “عدواني” ضد ايران، بل هي مطالبة تضعف المقاومة نفسها والممانعة وتصب في خدمة العدو الصهيوني! فلبيك يا حزب الله! والله اتحفتنا. سواء عند مقام السيدة زينب أم في القصير! واسأل عباقرة الحزب: أو ليس السنة هم من بنوا هذا المقام؟ فإذا كان الأمر صحيحاً، وهو صحيح، فلماذا تدافعون (رمزياً أو ذرائعياً) عن مقام “يقدسه” السنة منذ أكثر من الف عام!
5 ً- أما ايران فقد طمأنتنا بدورها: فبعد السيول المتدفقة من تصاريح أبطالها وجهابذتها وحكامها من انها ستدمر اسرائيل بلحظات وانها قادرة على ذلك… بإذنه تعالى، فها هي تعلن استنكارها بقوة، وتعدنا بأنها لن تسكت خصوصاً على عدوان بهذا الحجم على سوريا (هي يهمها النظام لا سوريا) لكن كيف؟ ولو! طبعاً بما عندنا من عندهم: بالمقاومة! هددت ايران اسرائيل بأن المقاومة اللبنانية سترد على الغارات الاسرائيلية على سوريا وليس هي! لم تقل مثلاً انها تحتفظ بحق الرد. لا! بل هجمت هذه المرة وبعنف وتوعدت بالدم اللبناني! والله محظوظة ايران. فعندها من يحارب عنها وعندها من يستشهد عنها وعندها من يقتل عنها وعندها من يجاهد عنها! عندها من يدفن الجثث كرمى لها لتأتي هي وتجني! رائعة! او ليس هذا دور حزب الله! فيا لهؤلاء “الرفاق” المخلصين ايران والحزب، يقومون جنباً إلى جنب، وعلى ارض عربية، بقتل الشعب السوري وارتكاب المجازر بالتنسيق مع النظام! والجولان على مرمى المدافع! “سدّد” الله خطاكم.. بهزيمة نكراء مقبلة باذنه تعالى! وباذن الشعب السوري البطل، المقاوم الوحيد… بين تلك “المقاومات” المزيفة!