#adsense

“تنذكر وتنعاد” مع.. “حزب الله”

حجم الخط

لأصحاب الذاكرة القصيرة، يجب التذكير أنه في العام 1975 وعقب امتداد نفوذ منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان إلى حد تأسيسها ما يشبه الدولة ضمن الدولة، واحتفاظها بـ”مربعات” أمنية لم يكن مسموحاً للقوى الشرعية اللبنانية الدخول إليها، واعتبار رئيسها الراحل ياسر عرفات نفسه أنه أقوى من الدولة وباستطاعته أن يملي عليها تصرفاتها وسياستها الخارجية و”استراتيجتها” الدفاعية، قامت الحرب الأهلية التي استمرت 15 عاماً، والسبب المباشر والمعلن آنذاك كان عدم قبول جزء من اللبنانيين لممارسات “الفدائيين” غير المقبولة وإن كانت القضية الأم آنذاك، ولا تزال لغاية اليوم، موضع إجماع من قبل جميع القوى السياسية وغالبية الشعب اللبناني: تحرير الأراضي المحتلة، وعودة الشعب المهجّر قسراً من أرضه إلى فلسطين، فكانت “الجبهة اللبنانية” وفي مواجهتها “الحركة الوطنية”.
وأن ننسى، فلن ننسى العبارة الشهيرة التي أطلقها القائد الفلسطيني الراحل صلاح خلف “أبو أياد” عندما قال إن طريق فلسطين تمر عبر جونية، التي كانت إحدى الأسباب لاستعار الحرب الأهلية ورفض جزء كبير من اللبنانيين استخدام بلدهم، ممراً لتحقيق ما ليس عليهم وحدهم تحمّل نتائجه أو حتى الاندفاع بغية تحقيقه فيما الآخرون يقفون متفرجين، في وقت هدأت فيه جبهة سيناء المصرية وجبهة الجولان السورية منذ العام 1973 وكذلك الجبهة الأردنية منذ العام 1970. لكن كان ما كان ودفع اللبنانيون أثماناً باهظة لا تزال آثارها ماثلة أمام أعينهم لغاية اليوم.
لقد خاض اللبنانيون حرباً أهلية شرسة ليس من المفيد الدخول في تفاصيلها ولا في نتائجها التي لا يزالون جميعهم يدفعون ثمنها، لكن كل الفرقاء الذين تواجهوا فيها أعادوا تقييم تجربتهم المريرة، فاعتذر من اعتذر، واعترف من اعترف، واتعظ من اتعظ، وندم من ندم، وأجمعوا جميعهم على العمل لعدم العودة إلى تلك الأيام العجاف، ويستعيذون بالله من شيطان شبحها كلما لاح في الأفق.
لكن المؤسف أن لا يتعظ بعض اللبنانيين مما جرى، لا بل أسوأ من الاتعاظ هو الذهاب إلى حد “تقليد” الظروف التي كانت سائدة في سبعينات القرن الماضي، لا بل محاولة استيلادها من جديد مع انتهاء العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. فها هو “حزب الله” يعيد عجلة التاريخ إلى الوراء ويكرر الأخطاء التي كان شاهداً عليها، ويجرّ لبنان واللبنانيين إلى ما لا يرغبوا في العودة إليه.
لكن المفارقة العجيبة هي أن “حزب الله” الذي لم تتلطّخ يداه في الحرب الأهلية، وعوضاً أن يشكّل ذلك دافعاً له لعدم الاندفاع نحو تجربتها اليوم، لم يستفد من مراقبته لما كان يجري والاستفادة من أخطاء ارتكبها باقي اللبنانيين، بل يذهب باتجاه خوض حرب أهلية جديدة يكون هو أحد أسباب قيامها والقوة المحركة الأكبر لها.
ألم يشكّل “حزب الله” دويلة داخل الدولة؟ ألا يدير مربعات أمنية خارجة عن نطاق سيطرة الدولة اللبنانية وأجهزتها الرسمية؟ ألم يكن خطاب السيد نصرالله بمناسبة الذكرى 25 لتأسيس إذاعة النور، مماثلاً من حيث توصيفه أن طريق فلسطين يمر عبر ريف دمشق وبلدة القصير، لخطاب “أبو أياد” الذي اكتشف فيه أن طريق فلسطين يمر عبر جونية؟
ألم يكن نصف اللبنانيين من المؤيدين للثورة الفلسطينية والنصف الآخر من الذين ذاقوا الأمرين نتيجة تجاوزات مسلحي منظمة التحرير الفلسطينية؟ أليس نصف اللبنانيين اليوم من المؤيدين للثورة السورية والنصف الآخر وعلى رأسهم “حزب الله” من داعمي النظام السوري؟ ألم يؤدي انقسام اللبنانيين حيال الثورة الفلسطينية إلى قيام الحرب الأهلية؟ ألا يرى السيد نصرالله أن انقسام اللبنانيين اليوم حيال سوريا قد يشعل فتيل الحرب الأهلية مجدداً؟ .
لم يكن هناك ما يبرر للبنانيين في العام 1975 اقتتالهم في سبيل نصرة قضية، وإن كانت محقة ولا خلاف على ذلك، ليسوا طرفاً مباشراً فيها، ولا تحديد مصيرها الذي يتوقف أولاً وأخيراً على أصحابها وهم الفلسطينيين أنفسهم. وليس هناك حكماً اليوم، ما يبرر للبنانيين أن يعودوا للاقتتال لنصرة نظام على حساب شعب له وحده حق تقرير مصيره، وهم السوريين أنفسهم. لقد اختار الفلسطينيون الدخول في مفاوضات سلام مع العدو الصهيوني، لتحقيق جزء من حلمهم بالحصول على دولة وكيان، فانقسم اللبنانيون حول هذا القرار، وثار البركان في لبنان ولم يهدأ، في الوقت الذي عاد الفلسطينيون أنفسهم وانقسموا حيال هذا القرار وهم أدرى بشعابهم ولهم أولاً وأخيراً وحدهم حق تحديد مصيرهم. ثار السوريون على نظام جائر وطالبوا بالحرية والديموقراطية وخاصوا ويخوضون معارك وجودية ضد هذا النظام، وهذا حقهم وخيارهم، فقامت قيامة جزء من اللبنانيين وذهب بهم الأمر إلى حد الانخراط المباشر في الحرب السورية مع هذا النظام؟ أين ناقة اللبنانيين وجملهم في هذه الحرب؟
لقد اختار النظام السوري أن يلتزم باتفاقية فصل القوات التي وقعها مع العدو الإسرائيلي في العام 1973، فهدأت جبهة الجولان المحتلة منذ أربعين عاماً، وفجأة يقرر السيد نصرالله فتح جبهة الجولان وتأسيس مقاومة شعبية لتحريرها ويعلن استعداده لإرسال مقاوميه إلى تلك الجبهة للمساعدة على تحقيق هذا الهدف. هذا القرار لم يتخذه النظام السوري نفسه وهو المعني الأول والأخير بأرضه ومقاومة محتليها. ألا يدرك السيد نصرالله أن مثل هذا القرار يعني جرّ لبنان إلى مخاطر كان ولا يزال بغنى عنها، أم أن المثل الشعبي السائد “وين ما حبلت بتخلّف بلبنان” يجب أن يظل قائماً؟
هذا ليس كلاماً انهزامياً، ولا تخاذلاً أو تراجعاً عن الإيمان بقضايا قومية محقة، يتمسّك بها اللبنانيون، إنما انطلاقاً من إيمان بان أهمية المحافظة على الوطن وأمنه واستقراره أهم من أي شيء آخر، وأن الاهتمام بالشؤون المحلية أولى من الاهتمام بشؤون الغير وبخاصة إذا كان هذا الغير لا يعير شؤونه ما تتطلبه من اهتمام.
لو قبل السيد نصرالله دعوة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان بحصر قرار السلم والحرب بيد الدولة ووضع سلاح المقاومة بتصرف الجيش اللبناني للدفاع عن أرض لبنان فقط، لوجد أن الشعب كلّه كان ليقف إلى جانب المقاومة وسلاحها الممسوك بقرار من الدولة، خصوصاً أن ما يخبئه المستقبل من ثروات لا يُشك لحظة بأطماع إسرائيل فيها، يوجب علناً الاستقتال للمحافظة عليها وحمايتها.
لو كان نصرالله يعلم بحسب قوله، لما ورّط لبنان في تموز 2006 في حرب كلّفت الكثير على الرغم من أنها كسرت هيبة العدو الصهيوني. الوقت متاح أمامه اليوم ليعلم إلى أي وجهة يجر لبنان.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل