لم تحمل الساعات الأربع والعشرون الماضية شيئاً استثنائياً يغيّر الانطباع القائل بأنّ الساعات الثماني والأربعين المقبلة ستكون حاسمة بالنسبة إلى تأليف الحكومة، خصوصاً وأنّه في مقابل عودة “حزب الله” إلى لغة التهديد والوعيد، كرّر الرئيس المكلّف تمام سلام موقفه الحاسم برفض إعطاء ما يُسمّى “الثلث المعطّل” لفريق 8 آذار.
أوساط الرئيس المكلف أبلغت “المستقبل” “ان الاتصالات لا تزال مستمرة وفترة الثماني والأربعين ساعة المقبلة حاسمة على هذا الصعيد”.
وأكدت ان “لا تراجع عن موضوع الثلث المعطل، فالرئيس سلام لا يقبل اعطاء هذا الثلث الى أي فريق كان، مشددة على ان “وتيرة العمل الآن هي السرعة من دون تسرّع”.
وعن امتعاض رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي صدر في الإعلام وعلى لسان النائب طلال ارسلان تحديداً أمس، من عدم وجود تواصل بينه وبين الرئيس سلام، استغربت الأوساط هذا الكلام مشددة على ان “الاتصال مع الرئيس بري كان ولا يزال قائماً عبر الوزير علي حسن خليل الذي يتواصل بشكل شبه يومي مع الرئيس سلام”.
وأكدت الأوساط ان سلام “لا يزال يدرس كل الخيارات وكل الاحتمالات واردة وان الايام المقبلة حاسمة من دون تحديد ما إذا كان ذلك قبل جلسة مجلس النواب أو خلالها أو ما بعدها. لكن في الوقت نفسه الاتصالات مستمرة مع كل الأطراف علّ ذلك يؤدي الى نتيجة، إذ ان الوقت ضيّق”.
وأوضحت ان الرئيس المكلف كان سبق وقال انه “لا ينتظر شهوراً من أجل تأليف الحكومة، والخيارات عنده تدرس بدقة شديدة ولا يزال هناك أمل بأن تؤدي الاتصالات الى نتيجة على الرغم من ان هناك تصعيداً اعلامياً غير مبرر في اليومين الماضيين تجاهه، وهو الذي أبدى كل مرونة وصدق وشفافية وحاز على ثقة 124 نائباً”.
ولم تستبعد أوساط نيابية عليمة بأن يقدم الرئيس المكلف على اعلان تشكيلة حكومية مصغرة من 14 وزيراً في يوم عيد ميلاده في 13 أيار تحت عنوان “حكومة المصلحة والظرف الوطنيين”، تكون مهمتها اجراء الانتخابات النيابية.
وتنقل “وكالة الأنباء المركزية” عن أوساط، “ان سلام ومعه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وكل الحريصين على المصلحة الوطنية، يريد وضع المجلس النيابي المجتمع بغالبية اعضائه في جلسة بحث المسار والمصير الانتخابيين، أمام مسؤولياته التاريخية وأمام خيار من اثنين: إما الموافقة على الحكومة بالسكوت إن لم يكن بالرضى، او فليتحمل كل مسؤوليته في الفراغ الذي تتجه اليه البلاد”.
والواضح، بحسب مصادر “الحزب التقدمي الاشتراكي” ان “الفريق الآخر لا يريد تسهيل الأمور على صعيد تشكيل الحكومة أو التوافق على قانون للانتخابات، فإذا كنا نتحدث عن توافق وطني فهذه المسألة ترتّب مسؤولية على جميع القوى السياسية وليس على فريقنا وحده”.
أضافت “لن تؤدي الشروط التعجيزية التي يضعها الفريق الآخر امام تشكيل الحكومة العتيدة الى أي حل، نحن ما زلنا نطالب بقيام حكومة تجمع الكل وان تكون حكومة وحدة وطنية، لكن هناك فريقاً يحاول من خلال وضع شروطه التعجيزية عدم تسهيل مهمة الرئيس المكلف”.
واعتبرت المصادر ان “التوافق والوحدة الوطنية من مسؤولية الجميع وبالتالي فإنّ كل القوى معنية بهذه المسألة وعليها ان تتواضع وان تتصرف بعقلانية حتى لا نذهب باتجاه خيارات قد تزيد من تعقيد الأمور”.
الى ذلك، اوضحت صحيفة “النهار” انه في الاجواء الضبابية وزارياً ونيابياً، والاهم امنياً في ظل حملة التهويل المتصاعدة ازاء كل خطوة ممكنة في الداخل ، سجل امس تطور في حركة الاتصالات تمثل في سفر مفاجئ لرئيس “اللقاء الديموقراطي” النائب وليد جنبلاط الى جدة في المملكة العربية السعودية في زيارة لم يعلن عنها مسبقاً. ويقول متابعون لاتصالات جنبلاط إنه يسعى من وراء زيارته للسعودية الى اجراء مشاورات تتناول التطورات المستجدة على صعيد تأليف الحكومة خصوصا في ضوء المعطيات التي تشير الى قرب اتخاذ الرئيس المكلف تمّام سلام قرارا بتشكيل حكومة تتجاوب مع المبادئ التي أعلنها وتتجاوز مطلب الثلث المعطل الذي طرحه، ولا يزال، فريق 8 آذار. ويرى هؤلاء ان الزيارة استطلاعية، وهو يعيش في اجواء مشابهة لاجواء سلام من حيث الخيارات التي يعتمدها.
في غضون ذلك، انصرف الرئيس سلام الى اجراء مشاورات بعيدا من الاضواء لبلورة الخيارات التي سيعتمدها في اليومين المقبلين. واستقبل صباح امس في دارة المصيطبة الوزير وائل ابو فاعور موفدا من النائب جنبلاط، والذي نقل نتائج محادثات وفد الحزب التقدمي الاشتراكي اول من امس مع رئيسي الجمهورية ومجلس النواب ميشال سليمان ونبيه بري. وفيما تكتمت اوساط سلام عن الخطوة او الخطوات التي يعتزم اتخاذها، علمت “النهار” من اوساط مواكبة لتأليف الحكومة ان الوضع يتسم بدقة بالغة وتجري حاليا مقارنة بين ايجابيات إقدام سلام على تأليف حكومة قبل 15 الجاري موعد انعقاد الجلسة العامة لمجلس النواب وسلبياتها. وقد ظهر في هذه المقارنة ان انتظار سلام الى ما بعد 15 أيار لن يغيّر شيئا في موقف 8 آذار الذي لا يزال متمسكا بمطلب الثلث المعطّل، وعليه فان على سلام ان يختار الاتجاه الذي سيسلكه بالتشاور مع رئيس الجمهورية والنائب جنبلاط اللذين يتابعان التفاصيل التي تنطوي عليها حركة تأليف الحكومة.
في المقابل، استمر “حزب الله” بالتهجم على الرئيس سليمان، ونسب موقع (العهد) الالكتروني التابع للحزب الى من سماها “احدى الشخصيات المقربة من رئاسة الجمهورية”، انها “كشفت عن امر خطير يجري التحضير له، لكي يكون محطة مفصلية، تطوي صفحة تشريع الدولة اللبنانية لـ”مقاومة المقاومة”، اي عملياً انهاء مرحلة تضمن البيان الوزاري للحكومات المقبلة فقرة واضحة تعطي شرعية رسمية للمقاومة (…) كما يخوض رئيس الجمهورية معركة صيغة (8،8،8)، بشراسة، وهو يرفض رفضاً قاطعاً اعطاء فريق حزب الله، كما سماه امام احد زواره، الثلث المعطل(…)”.
ونقلت صحيفة “الحياة” عن أوساط في 14 آذار وأخرى محايدة أن الحملة على جنبلاط شملت حديثاً عن الأمن في منطقة الجبل، ما يعني محاولة تخويفه، كما قالت مصادر الرئيس المكلف إن لا صحة للقول إن جنبلاط أعطى موافقته على ما يسمونه حكومة أمر واقع. إلا أن مصادر سلام استغربت أيضاً الحملة عليه هو أيضاً، معتبرة أن رفع السقف هو بمثابة وضع حاجز عال في وجه تأليف الحكومة، «ولو حصل ذلك في وجه شخص استفز فريق 8 آذار أو تصرف بتحدٍ لكان الأمر مفهوماً، فيما الرئيس سلام انفتح على الجميع ووضع قواعد لعمله وتصرف باعتدال».
واستغربت المصادر قول بعض قوى 8 آذار إن الرئيس سلام ارتكب خطأ كبيراً لأنه لم يلتق الرئيس بري أكثر من مرة لتسهيل تأليف الحكومة، وسألت: «ألم يعد لرئيس الحكومة حرمة وهيبة؟ الرئيس بري رئيس السلطة التشريعية. وهو معني بالحكومة من زاوية إعطائها الثقة في البرلمان وليس من زاوية تأليفها. وهل زار الرئيس سلام أي زعيم أو مسؤول للبحث في تأليف الحكومة غير الرئيس سليمان الذي ينص الدستور على أن يصدر معه مرسوم تأليفها وبالتالي يشترك في هذه العملية أيضاً؟ أم إن قوى 8 آذار اعتادت أن يساهم رئيس المجلس النيابي في عملية التأليف وتريد أن يستمر هذا الغلط؟ فالرئيس بري له دور أساسي في إطار قوى 8 آذار وبهذا المعنى سيلعب دوراً في الموافقة على حصته من هذا الفريق. لكن، من يقول إن السلطة التشريعية تلعب دوراً في تأليف الحكومة؟».
وحين تسأل مصادر سلام عن سبل معالجة مشكلة تسمية الوزير الشيعي الخامس إذا كانت جزءاً من المشكلة تقول: «المخرج بسيط. فليحصل «حزب الله» وحركة «أمل» على الوزراء الشيعة الخمسة لكن، من ضمن حصة الثمانية وزراء لقوى 8 آذار بحيث يحصل العماد عون على 3 وزراء مسيحيين. وعندها لا مشكلة». ورداً على سؤال عما إذا كان سلام يقبل بأن يسمي الرئيس بري وزيراً سنّياً بدل الوزير الشيعي الخامس إذا كانت تسميته ستؤول إلى فريق آخر، تقول مصادر سلام: «لا مشكلة في أن يسمي الرئيس بري وزيراً سنّياً، لكن من ضمن حصة الوزراء الثمانية لقوى 8 آذار، وليس إضافة إليها، أي أن يحصل التحالف الشيعي على 3 وزراء شيعة ويكون الرابع سنّياً. وهناك حل آخر هو أن يعطى عون حقَّ تسمية الوزير الشيعي الخامس، إضافة إلى 3 وزراء مسيحيين له و4 شيعة لـ «أمل» و «حزب الله».
وتقول مصادر سلام إنه طرح معادلة الثلاثة أثلاث «لأنها دقيقة ومدروسة لا تقبل المس بها بربع وزير لأنها تؤدي إلى الإخلال بتوازن داخل الحكومة ولأن فلسفتها وروحيتها تقومان على عدم إعطاء الثلث المعطل (الثلث + 1) لأي من الفرقاء. ومن ساواك بنفسه ما ظلمك، خصوصاً بين الفريقين المتنازعين 8 و14 آذار. فســلام يسعى إلى مساحة المنطقة العازلة بين هذين الفريقين بإعطاء الفريق الوسطي حجـــماً وازناً بحيـــث لا يسمح لأي من هـــذين الفــريقين أن يعطّل عمل الحكومة، هذا فضلاً عن أنه أكد لفريق 8 آذار الذي سأله عن احتمال حصول خلاف يؤدي إلى استقالة وزرائه الثمانية وعن الضمانة بألا تبقى الحكومة كما حصل مع حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، بأنه في هذه الحال سيستقيل هو لأن فريقاً أساسياً يكون قد غادر الحكومة، حتى لو بقيت الأكثرية فيها».
وتضيف مصادر سلام أنه أكد لقوى 8 آذار حين اجتمع بممثليها أنه مستعد للاستقالة «في حال خروجكم من الحكومة إذا حصل أي موضوع خلافي لأنني التزمت بحكومة وفاق بين الفرقاء لا بحكومة تحدٍ وأي أمر خلافي يسبب شرخاً أو استفزازاً لن أمشي به».
وترد المصادر على قول بعض أوساط 8 آذار بأن الضمانة لا تأتي من شخص وأن سلام ليس وسطياً لأنه جاء من قوى 14 آذار وأن مواصفات الوسطية هذه تنطبق على الرئيـــس بري أيضاً بــالقول: «الرئيس سلام مستقل وليس حزبياً أو رئيس حزب أو رئيس كتلة، بينما الرئيس بري رئيس كتلة نيابية ورئيس تنظيم كبير. وحين تمت تســميته لرئاسة الحكومة خرج من 14 آذار وهو قال إنني بت متحرراً من كل الناس وإذا تركت رئاسة الحكومة قد أرجع». وتتابع مصادر سلام بالقول: «إذا جاء بوزراء منتمين إلى قوى 14 آذار في الحكومة فعندها من حقهم أن يعترضوا عليه. وهو كان واضحاً في شأن أساسي ومصيري هو موضوع المقاومة حين قال لقوى 8 آذار إنه لو اتفقت قوى العالم كلها عليها لن يقبل بالمس بها. وهو ليس في حاجة لأن يناور، فهو صادق وشفاف ولا يمارس لعبة البلف».