كانت المناداة بـ”المقاومة الشعبية السورية لتحرير الجولان” في عهد حافظ الأسد تعدّ عملاً تآمرياً على مسيرة “التصحيح” و”تشرين” ومن الممكن أن تودي بمن يتورّط بها الى غياهب السجون وأقبية التعذيب.
لكنها اليوم لم تعد كذلك. فجمهور الممانعة، ومن ضمنه بشّار حافظ الأسد الذي بالاضافة إلى وظيفته كـ”طاغية” هو جزء من هذا “الجمهور”، بات يطرب لسماع السيد حسن نصر الله وهو يعلن، من مقرّ إقامته السرّي جنوب العاصمة اللبنانية، ولادة هذه المقاومة كرديف لـ”المقاومة الإسلامية” التي عقدت العزم على تحرير الهضبة السوريّة المحتلّة ردّاً على الغارة الإسرائيلية الأخيرة على مقربة من دمشق.
والحال هذه، نجح السيد حسن في إخراج النظام السوريّ من المأزق الكلاميّ المعتاد، حيث يواظب على تسجيل “الإكتفاء بحق الردّ”، إنّما ليدخل هو واياه في مشكلة أخرى. هي من جهة، مشكلة “التخمة” في المشاريع التحريريّة: من “الحرب المفتوحة” الموعودة، إلى “التحرير الإستباقي للنفط شرق المتوسط” إلى “تحرير الجليل” المنتظر، إلى “تحرير الجولان” المُعلن مؤخراً، وكلّها مشاريع لم تر النور على أرض الواقع بعد، لو أنّ التفجيرات الأخيرة في الجنوب التركيّ تشي بأنّ الذي وضِع على سكّة التطبيق هو تحرير “لواء الإسكندرون”.
تخمة تحريريّة خطابية، في وقت ينغمس شباب “المقاومة” أكثر فأكثر، في القتال في الشمال الغربي السوريّ، في اطار التسهيل الميداني لولادة كيان انفصالي فئويّ يوصف اتفاقاً بمشروع “الدولة العلوية”، ويستلزم سلسلة من أعمال العزل والتنظيف والترحيل والإستيطان والتوسيع على أسس اثنية مذهبية.
لكنّ هذا العمل الإنفصاليّ كثيراً ما يخطىء المراقبون تقديره، لأنّ نبوءة استشراقية متسرّعة وجدت مكانها ذات يوم في الكتب المتعلّقة بمرحلة حافظ الأسد، ومفاد هذه النبوءة أنّ النظام الأسديّ، إذ يعلم بطبيعة الحال طبيعته الفئوية الأقلوية وكمية الأحقاد التي يمكن أن تستيقظ وتتآلف في وجهه، فإنّه سيسارع إلى الإنفصال بكيان صاف طائفياً، شمال البلاد، كمخرج في حالة الطوارىء.
وهذا صحيح، وغير صحيح. أي أنّ فيه تبسيطاً كثيراً. ذلك لأنّ البعثيين والخمينيين لا يسعون إلى كيان ينفصل “حبّياً” عن بقية سوريا، ويكتفي بقطع سبيلها إلى الساحل. بل ان المسعى هو اقامة هذا الكيان الإنفصاليّ ككيان هيمنيّ أيضاً، أي كـ”اقليم قاعدة” يجري الانطلاق منه لمواصلة الحرب التدميرية في مختلف البقاع السورية. هو كيان للإنفصال من جهة، ولإستمرار التنكيل والسلب والغزو في طول البلاد وعرضها من جهة اخرى. مع المراهنة، طبعاً، على حيوية السيطرة على الساحل، وحرمان الآخرين منه، ومن دون نسيان ان هذا الكيان الصغير بمقياس “المساحة الجغرافية العامة” يصبح أكبر من ذلك بكثير اذا ما وضعنا المناطق الصحراوية التي تشكّل أكثرية الجغرافيا السورية جانباً. والمراهنة الأساسية لدى الفريق البعثي – الخمينيّ ان “الداخل السوريّ السنيّ” سيتشرذم إلى إمارات أصولية لن تلبث ان تقاتل بعضها بعضاً، مثلما لن تلبث السياستان البعثية والخمينية في التواصل مع بعض هذه الامارات بوجه بعضها الآخر.
وإذا استعدنا العبارة الأثيرة لما هبّ ودبّ في المشرق العربيّ، أي عبارة “بناء الدولة”، فإن منطق البعثيين والخمينيين يقول بأنّ التركيز على بناء كيان انفصاليّ في شمال غربي سوريا، مع استمرار السياسة الحربية لهذا الكيان حيثما استطاع الى ذلك سبيلاً في طول سوريا وعرضها، انما سيظهر مِن جهة مَن بمستطاعه “بناء دولة” ومن هو عاجز عن “بناء الدولة”، قاصدين بالفئة الثانية الأكثرية السنية من المجتمع السوريّ. لأنّ المعادلة البعثية الخمينية هي أنّ هذه الأكثريّة لا تبني الدولة إلا إذا وضعت في الإطار الأسديّ لـ”تقسيم العمل” بين الأجهزة والطبقات والطوائف والمناطق السوريّة، في حين أنّها حين تخرج من هذا الإطار تنهشها المجموعات التكفيرية من ناحية، وتتجاذبها الأهواء الإقليمية والإمبريالية من ناحية ثانية.
أقلّ ما يُقال في هذا المنطق، أنّه يحاكي المنطق الإستعماري التقليديّ بشكل نافر، ويائس، وعاجز. أمّا “التخمة التحريرية” عند حسن نصر الله، من تحرير الجليل إلى تحرير الجولان، وتضاف اليها نزوة تحرير “لواء الإسكندرون” فإنّه، إذا ما تجاوزنا صخبها، تقول شيئاً واحداً مفيداً: ليست النية أبداً إقامة كيان انفصاليّ مسالم في الشمال الغربيّ السوريّ، ولو كان كياناً يقام بالدم والحديد والنار والمجازر. إنّما النيّة “التأسيس” لحرب طويلة، ومثل هذه النية تعني أنّ الأمور لم تعد تقتصر عند “حزب الله” على تبرير تورّطه في سوريا في مقابل تبريره “عدم تورّطه” في لبنان، إنّما على العكس تماماً، القيام في لبنان، بما تقوم به بقايا نظام بشّار الأسد في الشمال الغربي السوريّ: التأسيس لـ”الإقليم القاعدة” الخمينيّ الممتد على أكبر مساحة ممكنة من لبنان.
فشعار “تحرير الجولان” لا يقرأ بمعزل عن عملية توريط لبنان ككل في هذا الأتون، ويبدو أنّ أوّل من فهم ذلك، من موقعه، وعلى طريقته، هو رئيس الجمهوريّة اللبنانية العماد ميشال سليمان، فأحسن الردّ، وكان أن ردّ “حزب الله” عليه، فأحسن هذا الحزب فضح نواياه غير الحسنة تجاه الكيان اللبنانيّ، وتجاه الشكل المقنّن من الإستقرار الذي يعيشه لبنان في مقابل ما تكابده سوريا. بمعنى آخر، لم يعد “حزب الله” مقتنعاً بـ”التحييد النسبيّ” للبنان المعمول به حتى الآن بشكل أو بآخر.
