#adsense

«المختلط» يُعيد قواعد الإشتباك إلى طبيعتها

حجم الخط

أقفل الإتفاق على المختلط صفحة سياسية امتدت لأكثر من سنة ونصف، وأدّت إلى ما أدّت إليه من شرذمة وضبابية سياسية، فاتحة الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها العودة إلى قواعد الإشتباك السابقة: 8 و 14 آذار، والتي ظهر أنّ اختلالها لا يصيب مكوّناً واحداً من 14، إنما يصيب كل الحركة، والمستفيد الأول من هذا الاختلال هو بطبيعة الحال “حزب الله” الذي استخدم الأرثوذكسي لتحقيق أربع وظائف:

أولاً، فرطعة صفوف 14 آذار والفصل بين مكوّنيها المسلم والمسيحي، أي ضرب أهم انجاز تحقق في 14 آذار 2005، هذا الانجاز الذي أخرج الجيش السوري من لبنان، والوحيد الكفيل بجعل “حزب الله” يسلّم سلاحه للدولة اللبنانية.

ثانياً، نجح “حزب الله” في الفصل بين الخصومة المسيحية الجزئية معه على السلاح (قوات وكتائب ومستقلين) وبين تقاطع الأغلبية المسيحية معه على الانتخابات (قوات وكتائب وتيار ومردة)، فيما الخصومة مع الحزب يجب أن تكون شاملة وفي كل الملفات بغية عدم ترك أي ثغرة تمكنه من النفاذ وتوسيع هامش حركته الداخلية، هذه الحلكة التي كل الرهان على تضييقها وتقليصها.

ثالثاً، تمكين النائب ميشال عون من استعادة شرعية الدفاع عن المسيحيين، لأن مجرد التقاطع مع عون “أرثوذكسياً” يعني إعطاءه المشروعية السياسية التي بدأ انتزاعها منه تدريجاً منذ لحظة توقيعه على وثيقة التفاهم مع الحزب، هذه المشروعية التي يبقى “حزب الله” بأمسّ الحاجة إليها كمظلة مسيحية-وطنية لمشروعه الإقليمي. ويكفي في هذا الإطار تسجيل موافقة عون على الـ60 كتعبير عن تحسين وضعيته التمثيلية. وفي هذا السياق المعادلة واضحة: بالقدر الذي يعزّز فيه عون وضعيته تتعزّز وضعية “حزب الله” والعكس صحيح.

رابعاً، محاولة “حزب الله” جرّ “المستقبل” و”الاشتراكي” إلى مقايضة فحواها التخلّص من الأرثوذكسي مقابل تعويم الـ60 الذي لم يعد عون يرفضه، وإعطاء الحزب الثلث المعطل في الحكومة. فـ”المستقبل” الذي كان يعتبر، بعرف “حزب الله”، أنّ “القوات” و”الكتائب” تخلّيا عنه في المشروع الأرثوذكسي، لن يتردّد بغية إسقاط هذا المشروع بالتخلي عنهما عبر إبرام تحالف رباعي جديد (أمل وحزب الله والمستقبل والاشتراكي) مع فارق هذه المرة تظليله مسيحياً من قبل ميشال سليمان وميشال عون والمستقلين، تحت عنوان قانون الـ60 وحكومة وحدة وطنية.

فالمناورة النيابية الأرثوذكسية الأخيرة كان هدفها واضحاً: إعادة الاعتبار لاتفاق الدوحة ببنديه: انتخابات على الـ60 وحكومة وحدة وطنية، هذه المناورة التي لم يكن بالإمكان إسقاطها إلا عبر نزع الأكثرية عن الأرثوذكسي، لأنه لو كتب لها النجاح كانت أرّخت ليس فقط لنهاية 14 آذار، إنما لانتصار مشروع “حزب الله” وعزل لبنان عن الشرعيتين العربية والدولية.

لا شكّ أنّ تحسين التمثيل المسيحي أمر مطلوب في سياق المواجهة الكبرى بغية استنهاض الفئات المسيحية وإشراكها في هذه المواجهة عبر إشعارها أنّ حضورها مؤثر وفعّال لا هامشي وثانوي، إنما المواجهة الحقيقية ليست من طبيعة مسيحية ولا إسلامية، بل بين مشروعين متناقضين حتى العظم: لبنان الدولة ولبنان الساحة، الاستقرار واللاستقرار، الانسان العابر للطوائف والحدود والانسان المنغلق والمتقوقع، الحرية أولاً وأخيراً…

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل