هناك حُكمٌ متشائمٌ يردّده كثيرون: “ثورات” الربيع التي بدأت كانتفاضات شعبية تحرّرية حقيقية سرعان ما تمكّن منها “الغول” الإسلامي من جهة، و”الغول” الامبريالي من جهة ثانية، بالتواطؤ أو بالتعاقب.
طبعاً، لا سبيل الى إنكار المشكلة العويصة التي يثيرها تبوؤ الحركات الإسلامية لمقاليد الحكم في هذا البلد العربي أو ذاك، بنتيجة “الربيع”، من دون أن تشهد أيّ من هذه الحركات الإسلامية المعنية الحدّ الأدنى من “الربيع” الذهنيّ والروحيّ والثقافي والاجتماعي والسياسي داخلها، أو في علاقتها مع الآخرين، بل على العكس، راحت تتخفّف من قشور “إصلاحية” سطحية كانت لجأت اليها، جزئياً، وبشكل طفيف، في وقت سابق.
كما أنّه لا سبيل الى إنكار المشكلة الأكثر فداحة، والمتمثّلة بعدم جهوزية البديل الحضاريّ عن الإسلاميين في المجتمعات التي شهدت ثورات ربيعية، وهو بديل لا يمكن استجماعه من الجمع الهشّ لبقايا النظام القديم، مع النخب “الليبرالية” المعزولة، والحركات الشعبوية التي تريد أن تزايد على الإسلاميين من بوابة مقاومة الإمبريالية، والحساسيّات الأقلويّة التي تلهيها “سياسات الهوية” المتعلّقة بها عن أي شراكة تعدّدية تحررية يواجه بها المدّ الإسلامويّ.
وإذا كانت النظرة المتشائمة الى الربيع العربي لا تجعل من صاحبها بالضرورة تابعاً لمنظومة الممانعة بقيادة الولي الفقيه الإيرانيّ، إلا أنّ الممانعة وجدت ضالتها في الفترة الأخيرة باعتماد مثل هذه النظرة، فنست يوم تبنيها للثورات أوّل انطلاقتها، وراحت تنعق كالبوم حزناً وتحسّراً على “الربيع المغدور”.
لكنّ هذا التشاؤم سرعان ما ينقلب نقيضه في خطاب الممانعين، إذ ينفردون بامتلاك الحل: تكليف بشّار الأسد وحسن نصر الله بتصحيح الربيع العربي من خلال قمع الثورة السوريّة. طبعاً، يصير تفصيلياً بين الممانعين ملاحظة أن نظام بشّار الأسد أكثر طغياناً وسفكاً للدماء من نظامي بن علي ومبارك بما لا يقاس، وأن “حزب الله” يصنّف نفسه في فئة الحركات الإسلامية الجهادية، أي حيثما يصنّف “تنظيم القاعدة” نفسه أيضاً، بصرف النظر عن الاختلاف في المذهب والعقيدة والتفاوت في الأسلوب.
لكنّ ما هو أخطر من “تكليف” النظام البعثي و”حزب الله” بتصحيح الربيع العربي، هو “تكليف” الحزب الخمينيّ المسلّح بتصحيح الربيع اللبناني، الذي قام في الأساس ضد وصاية النظام البعثي على لبنان، لكن أيضاً ضدّ الحزب كجيش احتياطي لهذه الوصاية، وكساع الى وراثتها، والى تبديل طبيعة الكيان إن لم يكن فرط عقده.
العنوان الحقيقيّ للانقسام داخل الحركة الاستقلالية على خلفية مشروع “اللقاء الأرثوذكسي” هو الانزلاق الى وضعية من يكلّف “حزب الله” بتصحيح الخلل ليس فقط في التركيبة اللبنانية، لكن أيضاً في “ثورة الأرز” نفسها، وهذه مشكلة ما بعدها مشكلة.
ثمة مشكلة في الربيع العربي، و”أسلمته” في مقابل ضعف البديل الحضاري؟ نعم. لكنها لا تحلّ بتكليف بشار الأسد وحسن نصر الله بتصحيح هذا الربيع.
ثمة مشكلة في ثورة الأرز كما في النظام السياسي اللبناني؟ نعم، لكنها لا تحل بتكليف حسن نصر الله و.. بشار الأسد لا بتصحيح هذا النظام السياسي، ولا بتصحيح “ثورة الأرز”.
كل الأسباب التي على أساسها يواجه مشروع إيلي الفرزلي – اللقاء الارثوذكسي يجوز أن تناقش سلباً أو إيجاباً. لكن الثابتة الأساسية ينبغي أن تسبق هذه الأسباب: الثابتة الأساسية هي أن تكليف “حزب الله” بتصحيح ثورة الأرز هو… نزوة في غير محلّها، بصرف النظر عن ضرورة التصحيح بحدّ ذاته، وعدم توفّر المصحّح بشكل برنامجيّ وواضح، مثلما إن تصحيح الربيع العربي بواسطة بشار الأسد هو أيضاً “في غير محلّه” بصرف النظر عن ضرورة تصحيح الربيع وعدم توفّر البديل بشكل برنامجي واضح.