أسرار البيوت.. وهمس الآذان في الجنوب (2ـ-2)
إمساك “حزب الله” بالقرار الشيعي يضيع.. تشييعاً بعد تشييع
|
|
||||||
“حزب الله” في أزمة كبيرة، وشعار الطائفة في خطر لم يعد يقنع الجنوبيين كثيراً، لا سيما تلك العائلات التي لم تدخل في الدوائر الصغرى المقرّبة من الحلقة الضيّقة للقيادة الحزبية، والتي تهرب ذاكرتها إلى ذلك التنوّع الذي كان موجوداً قبل الهيمنة، والذي كان يسمح للجميع اللعب في الساحة ديموقراطياً، ولم يكن يفرض عليها القيام بطقوس خدمة لسياسات المحيط. من هذا المنطلق، يجد الجنوبيون أن إطلالة الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصر الله الأخيرة تشير الى تلك الأزمة، فهو كان متوتراً، وهذا ما دفع بالكثيرين الى توجيه السؤال: “الى أين يأخذنا السيد؟”, ولماذا يصر على وضع الشيعة في “بوز المدفع”؟ وهل عليهم دفع ثمن تحرير الجولان بعد فتح جبهة “القصير”؟ وماذا عن فتح جبهات ممكنة ما بعد الجولان، في فنزويلا أو أفغانستان أو الصين أو غيرها، طالما لم يتحقق سابقاً ما تحدّث عنه عن ما بعد حيفا؟
يقول أحد الجنوبيين الذين التقيناهم: “هناك وهم عممه حزب الله في أذهان الشيعة حول استهدافهم من السنّة، وهذا الوهم يورطهم في سياسات خاطئة وخطرة عليهم”.
حالة من الصمت علنية تتفشى في الجنوب، الكلام ضد “حزب الله” يُنقل في القرى الى المسؤولين مباشرة، إلا أن هناك من هو مصرّ على انتقاد سياساته التي أوصلت الشيعة الى الخط الأحمر من خلال انغماسه في المعارك في سوريا، وأصبح الجنوبيون الذين كانوا يرفضون في السابق الاستماع الى انتقادات توجه لسلوكية الحزب، تحت عنوان أنهم حزب مقاوم، يتحدثون سراً ويوافقون على كثير من الكلام، إلا أنهم قد لا يعلنون عنه لأن للجدران آذاناً، وعلى الرغم من ذلك، هناك من يرفع صوته ويلقى تجاوباً وإن لم يضع “لايك” علنية على الكلام الذي يُقال، ومن هنا يشدد شبان جنوبيون على أهمية كسر الصمت وإزالة مشاعر الخوف من نفوس الكثيرين الذين لا يجرأون على الانتقال من ضفة الى أخرى في غياب أي مركب.
ويشير الشبان الى مراسم التشييع الصامتة التي تُقام لقتلى الحزب الذي يسقطون في سوريا، بعيداً عن الإعلام، على الرغم من أن ظهور السيد الأخير إعلامياً أعطى قيادة الحزب قليلاً من الزخم، إذ بدأت صور هؤلاء تطبع وتقام ترتيبات الدفن في حضور مسؤولين حزبيين، إلا أن هذا لا يخفي النار الموجودة تحت الرماد، وكثيرون يرفضون توريط أولادهم في الحرب السورية ودفع أثمان بقاء بشار الأسد.
ويلفت أحدهم الى أن “الأهالي لم يعودوا يطيقون استفراد الحزب بقرار الطائفة وأخذها الى المجهول في المحيط العربي، ذات الغالبية السنية”، موضحاً أن “هناك عائلات كثيرة تعتاش من عمل أولادها في الدول الخليجية فماذا لو طُردوا من هناك وأي ربح يعود عليهم؟ لا سيما وأننا لا نسمع أبداً أن إيران فتحت أبواب العمل أمام اللبنانيين الشيعة مثلاً. ثم ماذا لو اتخذت دول أوروبا قراراً بوضع الحزب على لائحة الإرهاب، طالما أنها تتحدث عن ثبوت تورّط بعض عناصره في أعمال مخلّة بأمنها، فهل سيكون بإمكان الشيعة أو حتى اللبنانيين الآخرين التجوّل أو العيش أو العمل فيها؟ وأي دولة عربية أو أجنبية ستستقبلهم؟ الحزب في ممارساته خنق الشيعة قبل أن يخنق بقية اللبنانيين”.
ويرى أن “سكوت الرئيس نبيه بري، مرغماً أو غير مرغم على ذلك، عن ممارسات الحزب وانتقاد ما يقوم به لدعم النظام السوري، يعطّل التغيير الذي تتهيأ له الساحة الجنوبية، وهو لا يزال حتى اليوم يغطي السيد نصر الله عن غير قناعة، فالرسائل السورية له واضحة، لكن مصلحة الناس أهم، والقاعدة “الأملية” لا يبدو أنها مقتنعة بسلوك الحزب أو توافق عليه وهي في حالة اختناق، مع أن هناك تياراً داخل حركة “أمل” يحب حياة الميليشيا وحمل السلاح والذهاب للقتال في سوريا”.
أما بشأن كلام نصر الله عن فتح جبهة الجولان لمساعدة “دولة المقاومة والممانعة” خوفاً من سقوط بشار الأسد، فإن الأسئلة المطروحة هنا كبيرة، إذ “كيف يتم الإعلان عن مقاومة في الجولان قبل حصول عمليات على الأرض كما حصل في لبنان عند انطلاقة جبهة المقاومة في 16 أيلول 1982؟”.
الجنوبيون لا يصدقون ما يقال وما يروّج له الحزب، إنهم يترقّبون التطورات، لا سيما وأنه سيتبين أن إعلان المقاومة في الجولان ليس سوى رد إعلامي على الغارات الإسرائيلية على سوريا.
وحول ما يروّجه الحزب عن قيامه بالدفاع عن المقامات الدينية في سوريا والتي تجد صدى في الشارع، يُجمع الشباب على أنها ناتجة عن غياب أي طرف آخر يُظهر العكس، وغياب ماكينة إعلامية داخل البيئة الشيعية تلعب دورها وتواجه ماكينة “حزب الله” التي خططت وقامت بفتح مواقع وأرسلت صوراً وعبّأت تحت هذا الشعار، حتى رنّات الهاتف حملت عبارة “يا سيدة زينب”، والكثيرون يوافقون في العلن، نتيجة الخوف، لكنّ هناك شكاً بالموضوع داخل النفوس وعندما يفتح النقاش حول هذا الأمر ليس من السهل التعبير إعلامياً عن حقيقة الموقف، إذ لا أحد يجرؤ على الإعلان أنه ضد “حزب الله”، وربما قد لا يكون هذا مطلوباً في البيئة الشيعية، إلا أن تبيان حقائق في السياسة والاجتماع بطرق غير مباشرة لخلق ثغرة في الرؤوس المقفلة أمر غير سهل”.
ويذكّر الشباب بأن المقاومة وُجدت في الجنوب قبل “حزب الله” وكان روّادها من اليسار اللبناني، وهؤلاء لا يزالون موجودين في البيئة الجنوبية، ومقاومتهم كانت من أجل لبنان وليس من أجل سوريا أو إيران، وهم في هذا الإطار يطرحون أسئلة حول “الحزب الشيوعي” الذي أصبح سائراً في ركاب “حزب الله” وولاية الفقيه. ويؤكدون أن هدف المقاومة كان التحرير وبناء الدولة والعدالة الاجتماعية والقانون من أجل لبنان وليس مقاومة من أجل سوريا وإيران والجولان والنووي”.
ويشيرون الى أنه “لم يعد هناك من يصدق أن حزب الله مقاومة، بعد تورطه بالقتال في سوريا، وهو غير مستعد لإطلاق رصاصة واحدة ضد إسرائيل لا في الجولان ولا في غيره، لأنهم يدركون أن إسرائيل تتمنّى حصول ذلك، لأنها تتجهز للمعركة، وبدا ذلك واضحاً من خلال النصيحة الإيرانية لسوريا بعدم الرد على الاعتداءات الإسرائيلية، مما يعني أن القصف الإسرائيلي على سوريا كان رداً على النووي الإيراني فقط، وكل الكلام المزلزل عن “زلزال” والرد على إسرائيل في حال ضربت “مرة ثانية” تبين أنه للاستهلاك فقط، فإسرائيل قصفت ولم يزلزل “حزب الله” زلزاله ولم تُمحَ إسرائيل كما كان يقول الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، إذاً الصورة واضحة لدى الجنوبيين بأن الموضوع هو صراع إقليمي يدفع لبنان ثمنه”.
أحدث “حزب الله” في أماكن سيطرته بيئة خاصة، من المدارس الى المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والترفيهية وحتى السياحية وبالطبع كلها نبتت على العمود الفقري أي المؤسسة العسكرية، وطوال ثلاثين عاماً من غسل الدماغ أقام مجتمعاً آمناً لدولة ولاية الفقيه.
قد يكون ذلك كله مقبولاً قبل انفضاح دور الحزب “المقاوم” ما بعد الـ2006، إلا أن ما ليس مقبولاً أبداً أن كلمة “شهيد” التي يطلقها أطفال مدارس المصطفى عند تعداد الحضور صباحاً من قبل المعلمين، أي أن كل طفل هو شهيد والشهادة عند “حزب الله” تحولت من شهادة من أجل قضية عادلة في لبنان وهي المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، الى شهادة مزورة مع احتراف القتال ضد القضايا العادلة للشعب السوري وثورته ضد النظام الممانع وغير العادل. واليوم ها هو “حزب الله” بعدما وصل الى القمة يسقط تدريجياً مع انفضاح دوره، ولم تعد مجالس العزاء التي يقيمها يومياً من أجل استنفار الغرائز المذهبية وإغراق الشيعة في مشاريع مشبوهة تنفع، فهناك شعور بالضيق لدى الجنوبيين الذين حرموا من الحياة العادية الطبيعية، وتبين أنه تم أخذهم الى مشاريع سياسية تحت عنوان تعاليم الدين، وخلق مناسبات دينية وأخذها مناسبة للكلام السياسي صار أمراً مضجراً ودليل أزمة. ويقول أحد الشبان: “الممنوعات والضغوط تنتج بيئة فاسدة وهذا ما حصل ولم يعد باستطاعة الحزب ضبط الإيقاع، فالناس تحب الحرية والتفلت من صيغ تحد من التطور، ولا بد من العودة الى التعددية التي كان يتّسم بها الجنوب سابقاً، صحيح أن العامل الحالي يلعب دوراً، لكن الناس اليوم تتململ مع انقطاع أو تقليص الخدمات بعد انفضاح الفساد في أوساط الحزب ومسؤوليه وخفض الدعم الإيراني”.
شاب آخر لا يوافق على القول بأن بنية “حزب الله” تمنع الشباب من التمرد على تصرفاته الخاطئة، مشيراً الى أن كثيرين من الشبان ينتقدون مسألة تراجع أعداد المتعلمين في صفوف الشباب الشيعة منذ سيطرة الحزب. وهذا ما تشير اليه الأرقام، نتيجة أن الشبان الشيعة الذين يتركون مدارسهم، يجندهم “حزب الله” في مؤسسته العسكرية، فيترك تعليمه ويتفرغ في الحزب، وكثير من الشبان يذهب من دون علم أهله، وأحياناً يتصادم معهم نتيجة محاولته فرض تربيته الحزبية عليهم في بيته، فيمنعهم من سماع الموسيقى أو حضور الحفلات وهذا ما يسبب خلافات عائلية، تظهر صورتها في مراكز الحزب عندما يذهب الآباء لإنقاذ أبنائهم من براثن “العسكريتاريا” الحزبية لـ”حزب الله”. فالحالة السلفية بدأت في ممارسات “حزب الله”.
في بلدة عربصاليم التي شيّعت ثلاثة شبان من “حزب الله” قتلوا في الحرب في سوريا، صرخت أم أحد القتلى بوجه مسؤول “كيف قتل، أين أرسلتموه، ماذا استفدنا، ولماذا قتل في سوريا؟”. فتوجهت النساء المحيطات بها بدعوة للاتكال على الله والقول بأن ابنها شهيد وكان يدافع عن الست زينب ويجب ألا “تزعلي” الست زينب منك”. فتضطر الأم الثكلى الى السكوت، إلا أن حالة التململ بدأت تتضح أكثر وتتوسع أكثر وأكثر، فكثير من الأمهات يغيب أولادهن بحجة أنهم موجودون في الجنوب في الخطوط الأمامية ولكن يتبين في ما بعد أن فلاناً استشهد في القصير وآخر في دمشق، فتورط “حزب الله” في سوريا زادته اسوداداً “مقاومة الجولان” وهذا مؤشر على المستنقع الذي وقع فيه ولا يعرف كيف سيخرج منه، إلا أن الشهور المقبلة ستكشف عن ذلك، إذ إن البيئة الشيعية الحاضنة ستدرك أن الحزب يأخذها الى الهاوية.
يكثر الحديث في القرى الجنوبية عن غياب فلان أو علان ويلاحظ الأهالي عودة البعض منهم جرحى، وهناك أشخاص مجهولو المصير، ومع قلة يعلن موتهم نتيجة “الواجب الجهادي” أو عملاً بالتكليف الشرعي الذي يسري على المتفرغين وقوات النخبة، مشيرين الى أن البعض بدأت تظهر عليه علامات الغنى، بعد تفرغ عدد من أولاده للقتال في سوريا، ولكن في المقابل هناك كثير من الأشخاص طُلبوا للقتال ولم يلبوا الدعوة، رافضين الموت في سوريا.
والواضح أيضاً أن “حزب الله” في القرى يحاول امتصاص نقمة الأهالي، ومن هنا لا يعلن حقيقة أعداد المقاتلين الذين لقوا حتفهم في محاور القصير أو غيرها، ويقنن المعلومات حولهم، لذلك يهرّب الأسماء ويشيّع القتلى بالقطارة حتى لا تحصل ردود فعل قوية من قبل الناس، فالجنازات المشتركة تحدث صدمة وردود فعل يحاول تفاديها ولكن لا يمكن المراهنة على قدرة “حزب الله” على ضبط الأمور والسيطرة عليها في هذا المجال لأن الناس ملّوا من “الشرح” و”التبرير” الذي لم يعد ينطلي عليهم.
ويُجمع شباب جنوبيون على “عدم استعداد الأهالي لأي حرب ممكنة مع إسرائيل، فهناك تخوف من فتح جبهة، ولذلك يتأكد الجنوبيون من مسؤولي “حزب الله” إذا أرادوا إحداث تغيير في منزلهم أو بناء بيت جديد أو حتى زرع شجرة أو استثمار محل أو شراء سيارة، سائلين عما إذا كان بإمكانهم أن يخطوا خطوة في هذا المجال، وحتى “حزب الله” لا يقوم بأي تدابير تشير الى استعداده لأي مواجهة مع إسرائيل وهو يتخوف من أن تقوم إسرائيل بمبادرة للعدوان، كونه غير مستعد لذلك، وهو يطمئنها الى أنه لن يقوم بمواجهة معها والا ما معنى تأكيد نصر الله على المقاومة الشعبية في الجولان وليس العسكرية؟
وفي هذا المجال يلفت أحد الأسرى المحررين الى أن “الحديث عن المقاومة الشعبية يعني أن لا سلاح، بل شعارات، ورسالة تطمئن الإسرائيليين، فالسيد نصر الله لم يتحدث عن مقاومة مسلحة، ثم إن حركة المقاومة السرية في الجولان كانت موجودة هناك وكان هناك أسرى سوريون وموجودون معنا داخل السجون الإسرائيلية، وهؤلاء كانوا مقموعين من النظام السوري، ولم يجر تبنّيهم من قبله. وحتى “حزب الله” خلال تفاوضه على إطلاق الأسرى لم يطالب بواحد منهم في صفقات التبادل التي أجراها. ومنهم سجناء منذ أكثر من ثلاثين سنة في السجون الإسرائيلية. الأمور أصبحت مكشوفة والناس لم تعد تحب هذه المواويل”.
(انتهى)