لا المشروع «المختلط» خطب، ولا «الارثوذكسي» تزوج، والاثنان ما زالا حتى الساعة يطلبان القرب من الكتل النيابية الحائرة بين المشروعين ولم ترس بعد على قرار، ومع ذلك، وحتى ما قبل الاعلان عن التوافق بين تيار المستقبل وحزب القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي وبعض النواب المستقلين على مشروع قانون مختلط بين النظامين الاكثري والنسبي، فتح التيار الوطني الحر النار على الذين نكثوا بالوعد، ووافقوا على المختلط، ويقصد هنا حزب القوات، وعلى الذين رفضوا التنازل عما سلبوا من مقاعد نيابية تعود الى المسيحيين، والمقصود هو تيار المستقبل والحزب الاشتراكي. وكان واضحا ان هذه الحملة ليست سوى البداية، لان «استغلالها لدى الاوساط المسيحية سيأخذ مداه حتى الثمالة، وهي – اي الحملة – جهٌزت يوم رُفع الغبار عن مشروع اللقاء الارثوذكسي الذي وضع على الرف بعدما رفضته قوى 8 اذار، وفي المقدمة حزب الله وحركة امل، وبعدما رفضه تيار المستقبل والحزب الاشتراكي والنواب المسيحيون غير الحزبيين، وكان القصد من اعادة احياء هذا المشروع، احراج مسيحيي 14 اذار، وخصوصا القوات والكتائب، بحيث انهم اذا وافقوا عليه، خسروا حلفهم مع تيار المستقبل، وصداقتهم مع الاشتراكي، واذا رفضوه خسروا جزءا من التأييد المسيحي والشعبي، التيار بأمس الحاجة اليه لتعويم شعبيته المتراجعة كهدف اول، وانتزاع الاكثرية النيابية من قوى 14 اذار كهدف ثان، على اعتبار ان تيار المستقبل والحزب الاشتراكي سيخسران عددا محترما من النواب السنة، والدروز، بعكس حزب الله وحركة امل اللذين قد يخسران نائبين وثلاثة نواب شيعة على ابعد تقدير، وفي الحالتين، الرابح الوحيد هو التيار الوطني وقوى 8 آذار.
لو ان البلد غير مقسوم مثل هذا الانقسام العموي الحاد، بين نهجين وخطين متوازيين، لا يمكن لهما ان يلتقيا في اي وقت وظرف ومسافة، كان من السهل جدا اللجوء الى مشروعات كمشروع اللقاء الارثوذكسي، لضمان التمثيل الحقيقي لجمع الطوائف والمذاهب، دون اثارة هواس ومخاوف وحساسيات حول الاكثرية والاقلية، ولكن الوضع، على ما هو عليه اليوم، قد يكون مشروع اللقاء الارثوذكسي في حال اصبح قانونا نافذا، سببا في سقوط الديموقراطية، وتحديدا الديموقراطية التوافقية، ويتسلط على البلد فريق يأخذه الى مشروعه، وهو مشروع لا يناسب تركيبة لبنان الطائفية والسياسية، وقد يكون الخوف من الوصول الى هذا الواقع المأزق، هو الذي دفع بالكنيسة الارثوذكسية الى عدم تبني مشروع اللقاء الارثوذكسي، وبالكنيسة المارونية الى وضعه على الرف، والدفع باتجاه الاتفاق على مشروع قانون يرضي مكونات الشعب الاساسية، معتبرة ان المشروع المختلط الذي سبق للجنة الوطنية برئاسة النائب والوزير السابق فؤاد بطرس، وضمنته مشروعها الذي رفعته الى حكومة سابقة واقرته هذه الحكومة، اضافة الى ان رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي وافقت كتلته النيابية في اللجان المشتركة على مشروع اللقاء الارثوذكسي، عاد واقترح مشروع قانون على قاعدة المختلط بين الاكثري والنسبي، ليكون بديلا عن المشروع الارثوذكسي الذي لم «يهضمه» ليس نواب مسيحيون في 14 اذار، وحسب بل نواب مسيحيون وسنة ودروز في 8 اذار ايضا، اضافة الى عدد من الاحزاب العلمانية الصديقة والحليفة لحزب الله، ناهيك بجمهور المجتمع المدني الواسع، والوسطيين الحياديين، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الماروني المؤمن والملتزم الذي اعلن انه سيطعن بدستورية وميثاقية المشروع الارثوذكسي اذا تحول الى قانون، دون ان ننسى رئيس الحكومة المستقيل نجيب ميقاتي الذي كشف انه لن يوقع القانون.
جميع هؤلاء المسؤولين والروحيين والامنيين والهيئات والاحزاب والشخصيات لا تعني مواقفهم شيئا للتيار الوطني الحر، على ما يبدو لان حملته الاعلامية الشعبوية منصبة بالدرجة الاولى على حزب القوات اللبنانية، الذي نجح بصموده ووطنيته وقوة حجته، ان يغير ما استطاع، من مواقف حليفة تيار المستقبل وصديق حليفه الحزب الاشتراكي الرافضة بالمطلق لاي نظام نسبي، ويقدم مشروع قانون غير عدائي، يمكن ان يكون نقطة الضوء في نفق لبنان المظلم.