حكومة مصلحة وطنية: هكذا اختار رئيس الحكومة المكلف الأستاذ تمام سلام تسمية لحكومته وعنوانا معبرا لها، إستقاه من واقع وطني قائم مجبول بالكوارث الوطنية المختلفة، حتى لباتت المصلحة الوطنية وتحقيقها، خيارا لا بد منه لانقاذ ما يمكن إنقاذه من أركان هذا الوطن وأعمدته وأسسه، قبل أن يطاوله الإنهيار الكامل، وقبل أن يصبح هذا البلد مرتعا للفلتان الأمني المتفاقم، وللإضطراب السياسي المتعاظم، والإقتصادي المتهاوي، والحياتي المستفحل، وقبل أن تصبح الدولة اللبنانية سابحة في ذكريات الماضي البعيد الجميل، ومنغمسة في مخاطر ومآسي الحاضر القبيح، والجهد كله ينصب حاليا من خلال إنجاح التركيبة الوزارية قيد التأليف قبل أن تصبح الدولة، دولة فاشلة بكل معنى الكلمة، والمدلول العام لكلمة فاشلة هنا ينطبق على الدول التي فقد الأمل في ترتيب أوضاعها وتحسين ظروفها، وإبعادها عن الأخطار والأضرار المتفاقمة.
مصلحة وطنية: ماذا تعني هذه المصلحة كيف تندرج في القاموس العملي والفكـري لدى كل فريق؟
– الرئيس المكلف وعدد كبير من أهل الفكر السياسي والإجتماعي، يرون فيها، خاصة في هذه الأيام اللاهبة والملتهبة، مراعاة لخطوط التفاهم والتفهم الوطني، وعودة إلى صفوف الإنضباط فـي الفعل والقول، والحفاظ على الوضع الاقتصادي على مستوى معقول، دون أن تدانيه السرقات والإختلاسات، وضبط الوضع الأمني بما يرفع السلاح الكاسح عن رأس المواطن وعن حياته، ويحافظ له على إرادته الحرة، وحياته الطبيعية.
– «المعارضة» الحالية متمثلة باتجاهات وتوجيهات 14 آذار، ترى أن في طليعة المصلحة الوطنية، ضبط السلاح، تمنطقا ومنطقا، وإبقاؤه ضمن إطار الممارسـة الدفاعية الحقيقية عن الوطن ودرء للأذى والضرر المسلح عنه وعن أبنائه.
ومطالبة افرقائها في هذه الأيام، انطلاقا من ظروفها وأوضاعها المعقدة والمأزومة، بحكومة مصغرة بعيدة عن الألوان السياسية والحزبية والإنمائية الواضحة والفاقعة.بما يؤدي إلى لجم التناقضات والمشاحنات والحساسيات، والحفاظ على البلد، من خبث الخلفيات العلنية والسرية لكل جهة ولكل فئة0
– والتيار الوسطي، ممثلا بشكل خاص بفخامة رئيس الجمهورية وبالوزير وليد جنبلاط، يدعو إلى التمسك باتفاق الطائف وبإعلان بعبدا، وتحقيق النأي بالنفس على حقيقته المجردة والمتحررة من الإنتماءات المختلفة. كما يدعو بأشكال واضحة وصريحة، إلى الانكفاء عن العمل المسلح من خلال ما يقوم به حزب الله خارج الأراضي اللبنانية ويهدد به الآخرين عند كل كبيرة وصغيرة، وآخر مستجداته في هذا الصدد تهديده الحالي ب 7 أيار جديدة، إذا لم يرضخ الآخرون إلى مطالبه، ويلفت هذا التيار بتصرفاته وغزواته المستجدة، الأفكار والأنظار، إلى الخطورة المتعاظمة لهذا النهج الإنفرادي الذي لا يسأل لا عن الوطن ولا عن المواطنين ولا عن الدولة بكل مؤسساتها الدستورية والإدارية ولا عن « شيء» اسمه الممارسة الديمقراطية، مختصرا الوطن اللبنانـي بالحـزب وقراراته متعددة الأشكال والأنواع ومهددا لكل الأسس والمقاييس والقواعد التي نشا منها وعليها النظام اللبناني، وقد توصل إلى ذلك بشق النفس والمعاناة والمثابرة، بمواثيق توافقية جعلت من هذا البلد طليعة ديمقراطية وحيدة بين بلدان المنطقة، وها هو الحزب يغالب هذا الواقع الوطني، ويخرب بالقول والفعل كل التجارب الطويلة التي أوصلته الى حدود الوطن والدولة، واستقرت به الأمور على بعض من الأسس التوافقية، وها هو الحزب اليوم يحاول منفردا، قلب كل الطاولات على رؤوس الجميع، والقفز فوق رأس الدولة بكل أسسها وقواعدها وتوازناتها، متناسيا أن هذه الرؤوس هي، أبناء الوطن، وأن هذه الطاولات، هي جزء صلب من تركيبة أرضه وترابه.
والمرحلة المؤسفة التي وصلنا إليها اليوم ونحن على أبواب تشكيل حكومة جديدة، تلك التهديدات العلنية التي يطلقها الحزب وربيبه التيار الوطني الحر، محذرا من قيام حكومة «أمر واقع»، متناسيا كل الأمور الواقعة التي كرسها بالقول والفعل وتجاوز كل الحدود بما فيها حدود الوطن، ومشاركته المؤسفة والمرفوضة بالقتال في سوريا ضد شعب منكوب وضد تطلعاته إلى العدالة والحرية والديمقراطية، ودعم كامل من إيران وهي دولة دخيلة على العرب وعلى أوطانهم وتطلعاتهم ومجمل مصالحهـم ولها مطامح ومطامع بأرضهم وبالسيطرة على مجالات وامتدادات وجودهم، فإذا به وأولئك الذين يماشونه ويناصرونه ويشاركون فعليا، بالسلاح والمنطق الإيراني بكل أهدافه المغرضة في عمليات قتل وتدمير يومي واسع وخطير من ابشع ما شهده العالم الحديث من فظائع الإجرام والقتل والإبادة الجماعيـة.
يهدد الحزب وأعوانه بأنه سيدفع بالبلاد والعباد الى 7 أيار جديد !، هكذا وبكل بساطة، فقط حتى يعرقل تأسيس حكومة على ذوقه بالكامل، رافضا أسسها الحيادية ومطالبا بزجها في الأتون السياسي القائم، وهو يريد لنفسه ثلثا معطلا وأن تكون له المواقع الفضلى ليمسك بها كل تفاصيل البلد الأساسية، في الوقت نفسه الذي انطلق بقواته إلى سوريا وكأنما يريد بحكومة التوحد الوطني والمصلحة الوطنية أن تغطي كل أعماله وأفعاله الانفرادية بما فيها تعرضه لشعب آخر ودولة أخرى ووطن آخر غصبا عن كل من قال لا واتخذ موقفا مخالفا.
انه زمن الغرائب والعجائب، يريد الحزب أن يكون الوطن بمعظمه كعكة له حلوة المذاق، كما يريد ان تكون له اجزاء مهمة من كعكات الآخرين الأساسية والحيوية ! ولم يعد المنطق السائد في الماضي القريب والقائل، ما لنا لنا، وما لكم لنا ولكم، هو المنطق المعتمد السائد حاليا، فهو يسعى بكل الجهد والتخطيط الى أن يكون الوطن كله، بأساساته وامتيازاته جميعا تحت وطء سيطرته الكاملة، على أن تبقى الهوامش والقشور للآخرين.