|
|
||||||
15 أيار تاريخ “النكسة”. بعدما كسر “اللقاء الأرثوذكسي” قالب القوانين، وكما يقال فالفرصة تأتي مرة في العمر… ضاعت الفرصة، فهل من طريقة للمواساة وهل من كلمات تعبّر عن مدى تحسّر “التيار الوطني الحرّ” على المشروع؟ “الغالي راح” والغالي هو “المشروع الأرثوذكسي” لن يكون “الحقّ على الطليان” كما هو معروف، إنما الحقّ والملامة كلها تقع على رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع.
بهذه الطريقة ظهّر وزير الطاقة والمياه في الحكومة المستقيلة جبران باسيل الصورة قائلاً: “القوات، ينعى “الأرثوذكسي”، يشكر حلفاءه”، ويصوّب سهامه نحو “القوات”. كلّ حلفائه “يحملون حقوقنا في قلوبهم”، وطبعاً وحده حزب “القوات” يتحمّل كل ما يجري من مآسٍ في العالم، وربّما بالنسبة للعونيين يكون سبب المجاعة في الصومال وسبب خسارة لبنان في تصفيات كأس العالم لكرة القدم! “الحقّ على القوات” لأن “القوات” ظلّت تسعى للوصول الى قانون يتوافق حوله الجميع… وإن كان “التغيير والإصلاح” شديد التأثر بحلفائه، فلمَ لا يسأل رئيس مجلس النواب نبيه بري عن سبب سحبه اقتراحه الانتخابي… ولمَ لا يسأل التيار نفسه عن ماهية تعريف كلمة “إجماع”؟
ويجوز السؤال هنا: هل التيار حديث التجربة في السياسة اللبنانية أم أن السياسة اللبنانية هي التي تبدّلت؟ في الواقع فإن كل شيء تبدّل في لبنان إلا أهداف تكتل “التغيير والإصلاح” منذ فشل حربه لإلغاء حزب “القوات”. وإن لم تتمكن حرب من إلغائه أو حلّه والوقوف في وجه القواتيين، فإن الكلام الإعلامي ومحاولة تشويه صورة الحزب والحملات المغرضة على مسيرته ونضاله وصفائه وثبات خطه، لن تفعل فعلها مهما كبرت وتمادت وركب مطلقوها موجات “التغيير والإصلاح” التي لم ولن تأتي إلا بالخيبات والنكسات والنكبات، ليس لأن جعجع استبق كل هذه التصريحات، إنما لأن رؤية “القوات” للسياسة لطالما كانت صائبة. من هنا فإن حزب “القوات” يعلم بأن رفض طرف واحد لأي قانون يجعل من هذا القانون خارجاً عن صفته الإجماعية. لذا فإن مشروع “اللقاء الأرثوذكسي” لم يحصل يوماً على إجماع، والسياسة في لبنان ليست مبنية على ديموقراطية تعددية إنما على ديموقراطية توافقية… وبالتالي فإن التوافق حول المشروع الذي يحقق الفرز لم يتمّ.
على الأرجح أنه بعد مشروع التقسيم هذا، لن يعود “التيار الوطني الحرّ” كثير النفع في محيط حلفائه، فالمسؤولية التي كانت ملقاة عليه بدت أكبر من أن يستوعبها، أما الخصوم فكانوا متيقظين لأي عملية تفتيت وفتنة. ألم يتساءل أحد لمَ تمسّك “التيار” بـ”الأرثوذكسي” على أساس نسبي وليس أكثري؟ لأن الأخير لا يؤمّن الفوز لقوى 8 آذار… ويقولون بأنهم لم يفصّلوا القانون على قياسهم! طبعاً فهم لم يفصّلوه لأن المشروع جاء جاهزاً في المقاس واللون والشكل والمضمون. يرفض العونيون أن يصدّقوا ما جرى من توافق على قانون آخر، فيردّ باسيل السبب الى استبعاد ما يتخوّفون منه قائلاً: “لا يوجد اليوم تحالف رباعي، وهناك انقسام إسلامي – إسلامي في المنطقة حال دون التوافق المسلم في لبنان”.
ويتابع باسيل: “لقد فضلوا (القوات) المصلحة الخاصة على العامة أي القانون الذي يربح قوى 14 شباط، فأعلنوا قانوناً آخر وأسقطوا الفرصة. ولذلك، وصفنا الأمر بالنكسة”. هذا كلام آخر يؤكد أن العونيين ليسوا متمّرسين بالسياسة لأن حرب الإلغاء التي شّنها النائب ميشال عون في العام 1989 على “القوات” لم تتمكن من إلغاء الحزب، لأن الحزب كان حينها حاجة وجودية مسيحية في حين أن لبنان كان يتعرّض لهجوم قوات النظام السوري الذين تمكّنوا من السيطرة عليه بعدما أضعف عون المدافعين عن المسيحيين… أليست تلك أيضاً نكسة للمسيحيين الذين كانوا يريدون القتال دفاعاً عن أرضهم رافضين الاستسلام؟ أم هي نكبة؟
ويقول باسيل: “لقد خسرنا فرصة حقيقية لاتحاد المسيحيين، وهذا الاتحاد يمكن لوحده أن يعطينا مزيداً من المقاعد المسيحية. لقد خسرنا ولكننا ربحنا أنفسنا، وواجبنا أن نتوجه بالشكر إلى حلفائنا”. يستحق الحلفاء الشكر والمديح على كل ما يقدّمونه من سبل الى زرع الفتنة والتفرقة، وجلّ ما كانوا سيقدّمون لـ”التيار” مجرّد مقاعد، ها هو الوزير يتأسّف عليها، وكأن الكرسي تحمي الحقوق أو أن الامتنان للحلفاء هو لشكرهم على ما كانوا يريدون القيام به رغماً عنهم! فـ”القوات” لا تستعطي مقاعد ولا تهمّها الأرقام، لأن النوعية هي الأهم، فما نفع الحزب لو ربح بعض الكراسي وخسر حلفاءه؟
وبعد نعي “الأرثوذكسي” ورثائه وتعداد خصاله، يؤكد باسيل أن “الاقتراح الأرثوذكسي ما زال مطروحاً”، مطالباً “كل المسيحيين بإضاءة شمعة الليلة والتأمل بنزول الوحي على الأفرقاء لإحياء القانون الأرثوذكسي”. إنه سرّ المهنة، يفشيه باسيل اليوم، هكذا تماماً كان قبل الذهاب الى الدوحة، أضاء العونيون شمعة وطالبوا بأن يحلّ الوحي على الأفرقاء فأنتجوا شعار “رجع الحقّ لأصحابو” على خلفية قانون الستين… ولكن عن أي وحي يتكلّمون هذه المرة؟ ولما كان العونيون يحبّون الحديث في الربح والخسارة، فإنه من المجدي القول بأن “القوات” لم تخسر لأنها ربحت نفسها وربحت حلفاءها وربحت ثقة الناس وربحت لبنان القائم على العيش المشترك والوحدة والتوافق.