#adsense

معركةُ المسيحيين معركةُ حريةٍ لا حقوق

حجم الخط

 

أسوأ عنوان سياسي طرحه المسيحيون منذ إعلان لبنان الكبير بالحد الأدنى هو الأرثوذكسي، هذه الصيغة الانتخابية العنصرية الفريدة كونياً التي تعبّر عن يأس وإحباط وانعدام ثقةٍ بالنفس وبالآخر وبالمشروع اللبناني، وتستظل عنوان «الطائف أعطانا 64 نائباً ولن نقبل بنائب واحد أقلّ من ذلك»، هذا العنوان الذي يشنّ أصحابه هجوماً مسعوراً على الطائف وكلّ من ساهم بالوصول إليه.

من حق المسيحيين المطالبة بانتخاب 64 نائباً، ومن حق المسلمين أيضاً ديموقراطياً المطالبة بالتمثيل النيابي وفق عددهم الديموغرافي، هذه المطالبة التي تُسقط حكماً المناصفة ونظرية الـ64 نائباً بالكامل، إذ إنه من حق المسلمين الطبيعي والبديهي، رفع عنوان إسقاط المناصفة مقابل إعطاء المسيحيين حق انتخاب العدد الذي يعكس تمثيلهم الفعلي لا الوهمي.

الدخول في هذا النقاش يُدخل البلاد إلى حيث يريد محور الممانعة بأن الخلاف في لبنان هو من طبيعة مذهبية وطائفية، وليس من طبيعة وطنية وسياسية قائمة على أساس مشروعين سياسيين ورؤيتين مختلفتين، والفارق بين الصراعين كبير جداً، لأنّ الصراع الطائفي غير قابل للعلاج إلّا بالحرب والتقسيم والوصاية، فيما الصراع السياسي يتوقف على انتصار مشروع على آخر، وهذا المشروع لا لون له وعابر للطوائف، إلّا من الناحية التوظيفية لهذه الطوائف تبريراً لوجوده وحرفاً للأنظار عن دوره على غرار الدور السوري في لبنان قبل العام 2005 و”حزب الله” بعد هذا التاريخ.

فانتصار مشروع 14 آذار ليس انتصاراً على حساب الشيعة وقسم من المسيحيين في لبنان، بل انتصاراً لعنوانَي “لبنان أولاً” و”الدولة أولاً”. وانتصار 8 آذار ليس انتصاراً على حساب السنة والقسم الآخر من المسيحيين في لبنان، بل انتصاراً لمشروع محور الممانعة على حساب لبنان واللبنانيين.

ومن هنا المعركة ليست بين المسيحيين والمسلمين بل بين المشروع اللبناني والمشروع غير اللبناني الذي عرّته الثورة السورية، حيث لم يجد “حزب الله” أيّ إحراج في التأكيد بأن مشاركته في المعارك السورية هي لمنع سقوط النظام السوري، الأمر الذي حوّله “إلى قوة مقاتلة جوالة، وقوات مرتزقة تنفق عليها إيران وتسيّرها خدمة لأغراضها التوسعية بهدف فرض نفوذها في المنطقة”، وفق بيان كتلة المستقبل في اجتماعها الأخير.

والمواجهة بين مشروعين ليست مسألة مستجدة، إنما متأصّلة في التكوين المسيحي اللبناني الذي لم يدافع عن وجوده يوماً من زاوية الحفاظ على هويته المسيحية، إنما من منطلق إيمانه بالحرية التي هي حق مكتسب لكل انسان لبناني ومشرقي وكوني، والدليل أن معارك المسيحيين التي خيضت في العقود الأخيرة بدءاً من أحداث العام 1958 مروراً بحرب العام 1975 وصولاً إلى مواجهة الوصاية في العام 1990، كانت من منطلق الدفاع عن فكرة لبنان ودوره، وما اتخاذها أحياناً أبعاداً طائفية إلّا لسبب واحد فقط مرده إلى حمل المسيحيين هذه المهمة التي تشاركوا فيها مع السنة اعتباراً من العام 2005، هذه الشراكة التي أزعجت محور الممانعة الذي وضع كلّ ثقله لفكّها، لأنّ استمرارها كفيل برفع هيمنته عن لبنان…

وفي اللحظة التي تتحوّل فيها وظيفة المسيحيين من الدفاع عن فكرة لبنان ودوره إلى الدفاع عن حصتهم النيابية أو حقوقهم الطائفية، يعني بدء العكسي لزوالهم عن آخر بقعة في هذا الشرق، لأنّ شرط استمرار أي جماعة هو حملها ورفعها لأفكار تتجاوز واقعها الضيّق، فكيف بالحري إذا كانت هذه الأفكار نابعة من صميم وجدانها ومتأصّلة في تكوينها ومتجسدة في صلب إيمانها وجذورها، وليس الهدف منها مجرد المزايدة على غرار عنوان المقاومة لبعض المجموعات في هذه المنطقة.

ويبقى أن الأرثوذكسي لا يمت إلى المسيحيين بصلة، وبعيد كل البعد عن تاريخهم ونضالهم وثوابتهم ومسلّماتهم، كما لا يخرج الأرثوذكسي عن سياق المشاريع التي أسقطها المسيحيون بسواعدهم على مرّ تاريخهم، هذه المشاريع التي اختلفت تسمياتها وظروفها وأشكالها ومحطاتها، إنما تقاطعت عند هدف أوحد: كسر إرادتهم وصلابتهم، وضرب عنفوانهم وإيمانهم، وتقزيم طموحهم ودورهم وتحجيم تطلّعاتهم وأهدافهم من أجل دفعهم للتخلي عن لبنان السيادة والاستقلال والحرية…

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل