#adsense

استراتيجية دفاعية للجولان.. قبل لبنان

حجم الخط

أثبت انخراط “حزب الله” المدمّر في الحرب السورية، قلق اللبنانيين المتعاظم من وظيفة سلاحه، وبقاء هذا السلاح خارج إمرة الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية… هذه الوظيفة التي لم تعد تحتاج الى تبرير أو نقاش أو حتى الى حوار، طالما أن القائد المطلق لـ”حزب الله” السيد حسن نصر الله رسم خارطة طريقه وأهدافه وأجندته التي يحتاج تنفيذها الى عقود من الزمن إن لم يكن الى قرون.

النتيجة المنطقية التي يمكن استخلاصها مما يجري الآن على أرض سوريا، تؤكد وبشكل قاطع أن سلاح “حزب الله” لم تكن مهمته محصورة يوماً بالدفاع عن لبنان وحماية اللبنانيين كما يدعي قياديوه، وإن أمضى ما يقارب الـ15 سنة في مواجهة إسرائيل ونجح في إرغامها على الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة في جنوب لبنان وتكبّد مئات الشهداء، إنما هو سلاح ذو وظيفة إقليمية يستخدم في “الزمان والمكان المناسبين” للقيادة الإيرانية التي ولد “حزب الله” من ضلعها، وأرادته ذراعاً أمنية وعسكرية متقدمة في المنطقة، مزوداً بـ”السلاح المقدّس” الذي يتجاوز دوره حدود لبنان، ليكون لاعباً في المعادلة الإقليمية وقادراً على مقارعة دول وليس فئات أو جماعات أو تنظيمات مسلّحة.

من المسلّم به أن ما يقوم به “حزب الله” في سوريا من قتل للشعب السوري، وفتح جبهات جديدة بعد أن أقفل هو أو أُقفلت في وجهه، جبهة الجنوب بعد حرب تموز في العام 2006، بات يحتّم اليوم وأكثر من أي وقت آخر وضع حدّ لسطوة هذا السلاح الذي لم يعد له أي دور في حماية لبنان، إنما بات يشكل خطراً كبيراً على البلد كدولة وشعب ومؤسسات وأجهزة رسمية، وبات يجاهر عبر حلفائه والإعلام التابع له بطرح خيارات قاتلة، تدعو الى أن يكون هذا السلاح ومن يحمله بديلاً من الدولة، وهذا ما أفصحت به بعض الأقلام التي تنهل من مداد الحزب، والتي تقول “إن تجربة المقاومة أثبتت نجاحها، في حين أثبتت تجربة الدولة فشلها، وبالتالي لا يمكن إلغاء الخيار الناجح لحساب الخيار الفاشل”.

هذه المقاربة الجديدة التي طالما حذّرت منها أكثرية اللبنانيين وخصوصاً قيادات 14 آذار التي ما انفكت تطالب بانضمام “حزب الله” وسلاحه الى مشروع الدولة وشروطها، وكانت تخوَّن من قبل “حزب الله” وملحقاته في البلد وتُتّهم بالعمالة لإسرائيل والتآمر على لبنان ومقاومته، بدأت تتظهّر الى العلن ويعترف بها فريق المقاومة والممانعة من دون مواربة أو قفازات، بالتزامن مع الاعتراف الصريح للأمين العام لـ”حزب الله” في خطابه الأخير بانخراط الحزب بكل قواه في الحرب الدائرة في سوريا، ومناصرته نظام بشار الأسد على قتل الشعب السوري في القصير وحمص ودمشق وريفها، تارة بحجة حماية البلدات الشيعية اللبنانية في الداخل السوري، وتارة أخرى بذريعة حماية المقامات الدينية، وصولاً الى إعلان تشكيل مقاومة مسلّحة تقاتل إسرائيل على الجبهة السورية لتحرر اليوم الجولان المحتل منذ أكثر من أربعة عقود، والذي ينعم بالهدوء منذ أكثر من 40 عاماً، عدا عن حديث السيد نصر الله عن تسلّمه سلاحاً من النظام السوري كاسراً للتوازنات القائمة مع إسرئيل من دون أن يسأل نفسه أو حتى يكلّف نفسه عناء سؤال حليفه بشار الأسد، ما دام يملك سلاحاً كاسراً للتوازنات لماذا لم يستعمله هو، بدل أن يسلمه الى “حزب الله” وينقله الى لبنان، ليكون مصدر خطر على لبنان وجرّ هذا البلد مجدداً الى حرب طاحنة لا قدرة له على تحمّلها؟

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة أيضاً، إذا كان الأمين العام لـ”حزب الله” مؤمناً بأن “الحرب الكونية” تستهدف دور سوريا ومكانتها كدولة مقاومة وممانعة، لماذا لم يقم حليفه الممانع بشار الأسد بأي خطوة للردّ على العدوان الإسرائيلي على دمشق أقله لحفظ ماء الوجه؟ ولماذا لم تتجرّأ إيران على أي ردّ يعيد الاعتبار الى حليفها وينسجم مع التهديدات والتحذيرات التي لم تتعب القيادة الإيرانية من توجيهها والتلويح بصدّ أي عدوان خارجي على سوريا بوصفه إعلان حرب عليها؟ هل سمع السيد نصر الله بتصريح القائد السابق للموساد الإسرائيلي الذي أعلن صراحة أن بشار الأسد هو رجل تل أبيب في دمشق؟ ما رأيه بما أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من موسكو، بأن إسرائيل لا ترغب إطلاقاً بتغيير النظام في سوريا، بقدر ما تريد منع تصدير السلاح غير التقليدي الى “حزب الله” في لبنان؟ وما رأيه أيضاً بما كشفه أمس رئيس الأركان الإسرائيلي بأن تل أبيب تفضل بقاء نظام بشار الأسد على أن تصل الى حدودها “جبهة النصرة” أو الجماعات الرديكالية التي تشكل تهديداً لأمن إسرائيل؟

مفهوم صمت “حزب الله” عن هذه التصريحات الإسرائيلية المحرجة، والتي للأسف تتقاطع مع أهدافه في سوريا، وافتراضاً أن الحزب بدأ بتشكيل نواة مقاومة مسلحة على جبهة الجولان، مع أن هذا الأمر مستبعد كلياً في هذه المرحلة طالما أن معركته الأولى هي الآن على الأراضي السورية وقوته المفرطة متفرغة لقتال الشعب السوري وكل من يجرؤ على المطالبة بإسقاط النظام الفاشي، فإن هذا السلوك كشف الأسباب الحقيقية الكامنة وراء المماطلة والمواربة وامتناع “حزب الله” على مدى سبع سنوات عن تقديم تصوره للاستراتيجية الدفاعية في لبنان، واكتفائه بمعادلة الجيش والشعب والمقاومة في البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة منذ الـ2005، علماً أنه يحتكر قرار الحرب والسلم ويأخذ الشعب اللبناني والدولة رهينة خياراته ومغامراته، ليفاجأ اللبنانيون بأن الإستراتيجية الدفاعية التي وأدها الحزب في لبنان تفرّخ اليوم في الجولان، وليتحمّل الشعب اللبناني وزرها ويسدد أثمانها من دون أن يستفتيه “حزب الله” في خياراته المدمرة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل