#dfp #adsense

في الخطاب والوظيفة..

حجم الخط

توظيف الخطاب التحريضي الفئوي والغرائزي في السياسة والمصالح، لعبة قديمة ومألوفة. استخدمها النازي في المانيا والفاشي في ايطاليا وحوّلها إلى مادة حرب قائمة في ذاتها.. أي مقطوعة نسبياً عن سياقات الامبرياليات الاستعمارية الباحثة عن مَوَاطن النفوذ ومصادر الطاقة. وبدلاً من الذهاب إلى المواجهات بحثاً عن ذينك الأمرين، وخصوصاً المواد الأوّلية والأسواق التجارية الحيوية والحاسمة لحركة الإنتاج ووتيرة النمو، جرى إشعال الحرب العالمية الثانية، التي تعتبر أفظع وأطول مذبحة بشرية وعمرانية معروفة في التاريخ، تحت خيمة ذلك الخطاب الغرائزي والتمييزي بين الناس تبعاً للعرق والدين.

واللعبة مثمرة في بداياتها وموصلة. والمانيا وايطاليا في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي شهدتا ذروة النجاح في التوظيف البدائي للعصب الغرائزي في السياسة ولعبة السلطة.. طبعاً النتيجة الأخيرة لم يستوعبها تاريخ الإنسانية كاملة بعد، لانّ فظاعاتها وتفاصيلها أكبر من قدرته على ذلك!

يمكن أن يُقال هنا، إنّ إسرائيل في ذلك المعنى التوصيفي الوظيفي، هي المثال الأبرز والتجسيد المباشر لمعنى جعل الهوية الدينية هوية وطنية كيانية، وللحاجة الماسّة إلى إبقاء النصّ التوتيري (والتزويري) منتعشاً بمادة التحريض ضدّ الغير على أسس عرقية ودينية لا تحتمل التأويل!

استعارة ذلك الأداء في الاشتباك القائم حول القانون الانتخابي في لبنان تتم بوضوح لكن في سياق كاريكاتيري مسرحي بائس، كان من الممكن أن يثير الغثيان فقط، لولا أنّه يتماهى مع مذبحة دموية تجري في سوريا، ومذبحة سياسية تجري في لبنان.

وليس جديداً القول إنّ النائب ميشال عون يشتغل في السياسة على طريقة العسكر مثلما سبق واشتغل في العسكر على طريقة السياسيين. ولا يتردّد بهذا المعنى في استخدام أي سلاح متوفر لديه ضدّ أهدافه وأخصامه. وأي سلاح، يعني أي سلاح. بما في ذلك تحريف الوقائع في أدنى الحالات والنص الديني في أعلاها. لكن لحربه الغرائزية الراهنة حول “المشروع الارثوذكسي” أهدافاً محدّدة. والمحلية منها مرتبطة بالاقليمية ولا تنفصل. يرفع من وتيرة الخطاب الطائفي كي يحاول كسر “الطائف” والتحضير لمؤتمر تأسيسي دستوري بديل! مع علمه اليقيني المسبق بأنّ ذلك قد (قد) يقود إلى نسف قصة المناصفة لصالح المثالثة الأثيرة على قلوب حلفائه في “حزب الله” أساساً!

ولأنه جزء من حلف أكبر منه يمتد عبر الحدود فهو يتماهى أيضاً مع معركة بشار الأسد والمشروع الإيراني. الأوّل يريد القتال حتى آخر “اقلوي” سوري ومشرقي دفاعاً عن وجوده ووجود نظامه. والثاني لا يجد طريقاً لنفوذه وطموحاته إلاّ من خلال الدقّ على وتر الاقليات لمواجهة الأكثرية!

.. “المشروع الارثوذكسي” كان واحداً من أوراق وأسلحة ذلك الحلف، لكنه أيضاً، كان وسيلة وليس هدفاً في حدّ ذاته. ولأنّ الأمر كذلك، سقط المشروع، فيما أهدافه الفعلية ارتفعت، وخرج ميشال عون وتلامذة مدرسته ليكملوا في الاعلام والسياسة ما قصدته تلك المحاولة الفتنوية في التشريع والشارع!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل