يعود المشهد السياسي إلى نقطة الصفر، بالرغم من سقوط القانون الارثوذكسي وعودة الحياة في عروق لجنة التواصل، الا أن مهمة وصل ما انقطع بين الأطراف تبدو شبه مستحيلة، حيث يتمركز كل فريق وراء مواقفه، ويتشبث فريق 8 آذار بقواعده الخاصة لفرضها على التشكيلة الحكومية ويحاول جاهداً على قانون الانتخابات.
ويبدو أن الدروس الماضية لم تكن كافية لتبطل نظرية الغالب والمغلوب، فاستمر الضغط باتجاه فرض حكومة ثلث معطّل أو التلويح بإعادة تجربة 7 أيار من جهة، أو اتهام من يسوق لقانون توافقي بالتخلي عن حقوق المسيحيين لقاء مكاسب أخرى.
إن بلداً لا يمكن أن يُبنى على مقاس فريق أو طائفة، ولا يمكن لقانون انتخابي، يؤسّس لأجيال مقبلة في الحياة السياسية، أن يُقرّ مراعاة لمصلحة فريق أو وقوفاً على خاطر مسيحي أو سني أو شيعي… إن دولة لا تبنى على أساس المواطنية والانتماء للوطن، إنما هي مزرعة، تباع وتشرى حسب مزاج صاحبها، وهي حتماً لا تحاكي طموح اللبنانيين ونظرتهم لوطنهم. فمن يتلطى وراء هجرة المسيحيين وهدر حقوقهم، هو حتماً لا يعدهم بالوطن النهائي عبر قانون طائفي فئوي وضيق، ولا عبر فرض تحالفاته الخاصة وما تحصد من حصة حكومية، تراعي مصالحه الخاصة، الانتخابية منها وغيرها، وتسجل وزارات «مربحة» باسم تيارات أو حتى أفراد، إلى أجل (لا ندري متى يسمى)، إن دولة مجردة من مؤسساتها وسلاحها ومعطلة فعاليتها، هي كفيلة بتهجير (عبر الهجرة) ليس فقط مسيحيي البلد، بل كل سنتها وشيعتها ودروزها وأرمنها ومختلف أطيافها، غير المستفيدين، والذين يطمحون للعيش الكريم والمساواة بعيداً عن الاستزلام والمحسوبيات المتخلفة.
فمن يوهم اللبنانيين أنه يحاول بناء دولة المؤسسات عبر التحدي والتفرّد، إنما هو منغمس في الشعارات الوهمية، ويعرف حق المعرفة أنها بعيدة عن الواقع، كون تجربته في الخارج مع البلاد المتحضرة أكدت عدم جدواها.
وإذا كان حلم الوطن المحكوم بالتوافق، والمؤسسات المسيّرة بالكفاءات والقوانين المصاغة بالحكمة والرؤية البعيدة والسياسات المحكومة بالجدوى والمنفعة العامة… بات أبعد من السماء عن اليابسة، فليواجه السياسيون بجرأة وصراحة عجزهم عن التواصل والتوافق فيخففوا من آلام المواطن، وينكفئوا عن الممارسة الكيدية مفسحين في المجال أمام حكومة تكنوقراط تعطي الاقتصاد جرعة من الأوكسجين، إلى أن يهبط الوحي وتدق ساعة التعاون الفعلي والعمل الجدي… وإلا فمن سيحاسب فئة من اللبنانيين كونها فرّطت بحقوق المسيحيين، هو نفسه من سيحاسب فريقا بأكمله كونه جر البلاد الى الفراغ بشتى أشكاله الأمنية والسياسية والاقتصادية، ومن بعدها إلى الفوضى المدمرة، واستورد الأزمات وفرضها على الداخل اللبناني مقحماً إياه في صراع لا ناقة له فيه ولا جمل، سوى الطائفية البغيضة والتطرف الأعمى الذي يولد حركات لتواجهه، كلاهما هجين على المجتمع اللبناني وأسس عيشه المشترك.
فهل فات الأوان على الحكمة لتحتوي الخلافات داخل المؤسسات، او انعدمت النخوة السياسية لتعتق اللبنانيين من أتون الحروب الأهلية وشرعة الغاب؟ على أمل ألا يكون استبدل القاضي بالجلاد، يتطلع اللبنانيون بترقب حتى يمر هذا الاستحقاق الديمقراطي بامتياز (على الورق حتى الساعة) بأقل أضرار ممكنة، ويعلق آماله الكبيرة على إحياء تجربة حكومة المصلحة الوطنية، بعيداً عن الاستفزاز والتعطيل والكيدية، حتى لا تتحوّل الاستثناءات الخاطئة إلى ثوابت لا دستورية!