صحّت الافتراضات التي قالت من بداية الزمان، انّ أهل الممانعة المقيمين عند يقينياتهم، يتصرّفون وفق نظرية بسيطة يسري مفعولها على أكثر الأمور تعقيداً كما على أكثرها تبسيطاً: إمّا أن تمشي الدنيا في لبنان وفق إرادتنا وإمّا لا يمشي شيء.
وتلك الدنيا مليئة، ضاجّة ومُتخمة بالقضايا الكبيرة والصغيرة محلياً واقليمياً. وهذه بينها وبين اللبنانيين عروة وُثقى لا تنفصم درزاتها وفيها كلها يقرّر “حزب الله” المسار. ويعمل مع مَن معه من هوامش وحوافٍ على تعليق العمل بالنظام اللبناني. وأخذ الدستور في إجازة مَرَضية طويلة. والمسّ بالبديهيات والمشتركات والحساسيات والميثاقيات. وإدخال لبنان في مدار الخواء والفراغ. وتمزيق ما تبقى من صورة الدولة بمعناها الاطاري الجامع لرعاياها كما بمعناها السلطوي المباشر الناظم لاجتماع هؤلاء الرعايا.
.. منذ بداية الزمان، افترض كثيرون، وصدق افتراضهم، انّ قرار محور الممانعة الإيرانية الأسدية وأداتها المحلية، هو عدم السماح بأخذ لبنان مرّة أخرى إلى مناحي الحياة وثقافة الوصل مع العصر وتنغيمات الحداثة الموصولة وصلاً مكيناً بأوتوستراد الحرية، وشوارع الخيارات المفتوحة في الفن والعلم والثقافة والإعلام والاقتصاد وأدب الاجتماع وترف الممارسة السياسية ومدارسها وتنظيماتها وأطرها.. كما منع إعادة نفخ الروح في العمران وما يعنيه ويفترضه ويشترطه من مناخات وممارسات مدنية ولغات وتشريعات تتصل جميعها بالقانون وفحواه وطبائعه.
.. ومنذ بداية الزمان، ارتأى هؤلاء أنّ لبنان درّة تاج الممانعة وملاذها الخصب وسهلها الفسيح لزرع إرادتهم فيه واستخدام ثماره في بازار مصالحهم ورؤاهم وأهدافهم وطموحاتهم. وانّ ذلك الكنز لا بد من تكسيره كي يسهل حمله وسرقته ولا بد من تطويع أهله بالاحتراب والأزمات كي يسهل اذعانهم.. ولا بد قبل ذلك كله من تخليع أسيجته كي يسهل اجتيازه، وتفخيت سقفه كي يسهل دلفهم وينساب ماؤهم بسلاسة ويسر!
.. منذ بداية الزمان، قرّر هؤلاء عدم “المساومة”، وعدم التراخي، وعدم التردد في استخدام أي شيء وكل شيء في سبيل إحكام طوق سلطانهم وشد رباط سيطرتهم وتنفيذ إرادتهم بغضّ النظر عن الأثمان والأكلاف والوسائل والسبل.
صدمهم تفصيلان بسيطان. واحد محلي وآخر اقليمي: الأوّل أنّ لبنان أعقد وأمرّ من أن يُبلع ويُهضم. والثاني، أنّ سوريا استيقظت! والباقي تفاصيل، ومنها تعطيل الانتخابات ومنع تشكيل حكومة جديدة!