المشهد المتقلب لمداولات لجنة التواصل الانتخابية، لا يحتاج الى شرحٍ مستفيض لاستخلاص النتائج التي يتوق فريق التعطيل الى بلوغها، وهي الوصول الى “اللاانتخابات” وإلى “اللاحكومة”، وإذا أمكن الى التمديد للمجلس النيابي، وفي المحصلة النهائية الفراغ الكامل والشامل، الذي يعني في ما يعني الدمار الكامل والشامل للمؤسسات الدستورية والى ما تبقى من هيكلية الدولة في لبنان.
الاختبار الذي خضع له فريق الثامن من آذار في الأيام الثلاثة الماضية، والمتمثّل بتقديم تيار “المستقبل” والحزب “التقدمي الاشتراكي” و”القوات اللبنانية” والنواب المستقلين، لمشروع القانون المختلط، أفقده صوابه، وأكد المؤكد بأن فريق سوريا وإيران يمعن في دكّ بنيان الدولة ومؤسساتها، وتحديداً “حزب الله” الغارق في هذه المرحلة في “الواجب الجهادي” في سوريا، والمتفرّغ للجبهات الخارجية بدءاً من الجبهة السورية الداخلية، مروراً بالعراق والخليج العربي ومصر وصولاً الى اليمن، عدا عن تأسيسه جبهة جديدة الآن في الجولان المحتل بعدما تكفّل السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير بتحريره.
القراءة المتأنية لما شهدته اللجنة في الأيام الثلاثة الماضية، والذي لم يكن إلا استكمالاً لما بدأ منذ تشرين الثاني الماضي، تثبت بما لا يدع مجالاً للشك، بأن كل الطروح التي قدمتها قوى “14 آذار” لقانون الانتخاب العتيد، سواء “المستقبل” أو “القوات اللبنانية” أو حزب “الكتائب”، ومعها الحزب “التقدمي الإشتراكي” ، وحتى الرئيس نبيه بري، كانت كلّها خارج اهتمام “حزب الله” وحليفه التيار “الوطني الحر”، إذ لم يكن ممثلو حلف التعطيل داخل هذه اللجنة أكثر من متلقّين لمقترحات الآخرين، ورافضين لها في الشكل والأساس، ليعودوا الى التمسّك بمشروع اللقاء الأرثوذكسي التفتيتي والتقسيمي، والذي أخذ طريقه الى اللجان المشتركة وأقرّ فيها قبل أن يكبحه الرئيس بري ويعطّل مفاعيله، تداركاً لخطورة هذا القانون على البلد لأجيال وأجيال. لكن المفارقة من “حركة اللابركة” في الساعات الماضية، أن من أهمل كل المشاريع المطروحة طيلة الشهور الماضية، أراد “القوطبة” والالتفاف على المشروع المختلط الذي قدّمه “المستقبل” و”الاشتراكي” و”القوات” والمستقلون، للغرق وإغراق الناس في الطروح التي لا طائل منها.
طبعاً من كان وراء الطرح الأرثوذكسي، ومن تبنّاه من باب المزايدة المسيحية بهدف حشر مسيحيي “14 آذار”، كان يريد من هذا المشروع مجرّد شمّاعة لتعطيل إقرار أي قانون جديد للانتخابات، وبالتالي تعطيل الاستحقاق، حتى إن الرئيس بري الذي كان قد حدد جلسة للهيئة العامة في 15 الحالي أي يوم الأربعاء الماضي، وأصرّ على إدراج “الارثوذكسي” بنداً وحيداً عليها، ذهب الى هذا الخيار على قاعدة “مرغم أخاك لا بطل”، بمعنى أن بري لم يكن يوماً من عشاق هذا المشروع المذهبي والعنصري بالنظر الى نتائجه الكارثية، إنما كان مضطراً للمسارعة الى عقد هذه الجلسة لأن الوقت كان يداهم المجلس مع اقتراب انتهاء موعد تعليق مهل الترشيحات أولاً، ولأن الهدف من الجلسة المعروفة مسبقاً بعدم دستوريتها وميثاقيتها، هذا على فرض توفر النصاب الدستوري فيها، كان تحميل فريق الرابع عشر من آذار مسؤولية عرقلة إقرار قانون الانتخابات وبالتالي تكريس واقع الوصول الى الفراغ النيابي مع حتمية رفض التمديد للمجلس.
المستنقع الذي أدخل فريق التعطيل الانتخابات فيه، ينسحب على الحكومة أيضاً، فهذا الحلف الذي كان ممسكاً مقاليد السلطة في حكومة الرئيس ميقاتي، وكان صاحب القرار الخفي في استقالتها أو إقالتها ليتحرر من تبعات المسؤولية عن انخراط “حزب الله” في قتل الشعب السوري، لن يسمح اليوم بقيام حكومة بديلة متحررة من قيوده وشروطه ولا تخضع لقراره ومشيئته، والشواهد على تهديدات “حزب الله” وحلفائه بضرب الاستقرار ووضع البلد أمام احتمالات التفجير الواسع، غداة أي خطوة يقدم عليها الرئيس المكلّف تمام سلام، عبر تقديم تشكيلة حكومية لا “يبصم” عليها، ولا يكون قرار الحل والربط بيده لا تزال ماثلة، ولعلّ ما نقل عن الرئيس بري في المجلس النيابي أمس وأبلغه للصحافيين، عندما كشف أنه أبلغ الرئيس تمام سلام أنه “لا يمانع تشكيل أي حكومة يرتأيها في ما لو كانت الانتخابات ستجرى في موعدها الدستوري، ولأن احتمال تأجيل الإنتخابات أو التمديد للمجلس يبقى الفرضية الأقوى، فإن الوضع يفرض حكومة سياسية تتمثل فيها كل القوى تمثيلاً حقيقياً ووفق أحجامها وأوزانها”.
هذا الواقع القائم لم يكن الا ترجمة فعلية لما يخشاه اللبنانيون، من أن ما يخطط للبلد هو أبعد من الأستحقاق الإنتخابي، وأبعد من حكومة أياً كان شكلها وصفتها، فما يدفع به “حزب الله” عبر حليفه النائب ميشال عون من رفع سقف الشروط والمطالب وقطع الطرق على كل الاستحقاقات الدستورية، ليس إلا دخولاً في المسار التدميري للبنان، المرسوم في طهران، والذي ينفذه تحالف “حزب الله” ـ عون بدقة متناهية، باعتبار أن الحزب ومن خلفه الولي الفقيه، يجد أن الفرصة سانحة لتعميم الفراغ الذي ربما يكون مؤاتياً لإرغام الأطراف السياسية الأخرى على الذهاب الى مؤتمر تأسيسي يلغي بحسب أحلام أصحابه اتفاق الطائف، ويقود الى تسوية جديدة أول ما تحلّ نتائجها الكارثية على المسيحيين، الذين لا يمانع الجنرال عون زجّهم في هذه المحرقة الجديدة كرمى للكرسي التي يريدها بأي ثمن، والتي على ما يبدو لن يبلغها مهما كلّف الثمن.