
احتفلت جامعة الروح القدس – الكسليك بعيد شفيعها عشية عيد العنصرة، بدعوة من رئيسها الأب هادي محفوظ.
استهل الحفل بقداس ترأسه الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية الأباتي طنوس نعمة، عاونه فيه لفيف من الرهبان، وخدمته جوقة الجامعة بقيادة الأب يوسف طنوس، في حضور وزير الإعلام وليد الداعوق، النائبين نعمة الله أبي نصر وجيلبيرت زوين، النائب البطريركي العام على أبرشية صربا المارونية المطران بولس روحانا، المطران المنتخب أنطوان طربيه المعين على أبرشية أوستراليا المارونية، بالإضافة إلى أسرة الجامعة الإدارية والتعليمية وجمع من الرؤساء والرئيسات العامين ورؤساء الجامعات وفعاليات دينية وعسكرية وقضائية وبلدية وإعلامية وتربوية.
بعد تلاوة الإنجيل المقدس، ألقى الأباتي نعمة عظة تحدث فيها عن أهمية عيد القيامة المجيدة الذي يليه عيد العنصرة بعد خمسين يوم، مؤكدًا أنه “على ضوء سرّ الانتصار على الموت وعلى كل أشكاله، نفهم بشكل أفضل سرّ حلول الروح على التلاميذ وعلى كل منا. هو روح الله يملأ الأرض. ملأها بالخلق إذ نظّم الكون والإنسان والطبيعة والخليقة كلها، وملأها في العنصرة إذ أكد أن الله مع الإنسان في مسيرته على الأرض. إن العنصرة هي أولا عيد الوحدة، والتفهم، والشراكة البشرية”. وأضاف: “صحيح أن البشر أقرب بكثير حسيًّا الواحد من الآخر، بفضل الوسائل الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعية، ولكننا مدعوون إلى تعزيز القرب الحقيقي بيننا. هذا ما يترجم بالشراكة وبالمحبة، وهذا ما اتخذه صاحب الغبطة الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي الكلي الطوبى شعارا لخدمته البطريركية. وهذا ما يترجم بصدق التعاطي مع الآخرين، وبإعلاء شأن القضايا السامية وشأن الإنسان. وهذا ما يعني الانتباه إلى الآخر وخاصة إلى الضعفاء والمهمشين بيننا. يقرّبنا العالم الإلكتروني ووسائل النقل السريع، ولكننا بحاجة إلى شراكة ومحبة حقيقيتين لكي نكون قريبين ونحب بعضنا بعضا. هذه روح الوحدة التي يعطيها روح العنصرة”. واختتم متمنيًا كل الخير لهذه الجامعة العزيزة، الشاهدة لعمل الرهبانية في الحقل التربوي وحقل التعليم العالي، منوّهًا بالتطور الحاصل فيها وبالأمانة لروح الرهبانية التي تعمل العائلة الجامعية لتحقيقها فيها.
وبعد القداس، عرض فيلم وثائقي عن الجامعة، ثم ألقى رئيسها الأب هادي محفوط خطابًا تحت عنوان: “ماذا علينا أن نعمل؟”، معتبرًا “أن هذا سؤال وجوديّ يُطرح، لا محال، لأنّ الزمن لا يتوقف، ومهما بلغ الإنسان من حالة، يفتّش كيف يعبر إلى الحالة اللاحقة، التي يُريدها دوما أفضل. نطرح نحن هذا السؤال، في جامعة الرّوح القدس، واعِين أنّ الهناء والفرح والطمأنينة، لنا ولكلّ من معنا، هي في مواصلةٍ ديناميكيّةٍ للرسالة التي تُوكلها الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة، باسم الكنيسة، إلى هذه الجامعة. نطرح هذا السؤال، في جامعة الرّوح، في يوم عيد الرّوح، يوم العنصرة، ذاك الحدث الذي وقف فيه بطرس وخاطب الجموع. “ولمـــّا سمعوا هذا الكلام، نفذ إلى قلوبهم، فقالوا: ماذا علينا أن نعمل؟” (أع 2: 37). فما أجملَ التيقُّنَ أنَّ هذا السؤال البديهيّ الوجوديّ، يعني عيد العنصرة بامتياز، يعني جامعة العنصرة، جامعة الرّوح، ويذكّر بمبادئَ ويرسم خارطةَ طريق. ليس مُرَادُ هذا السؤال وضعَ لائحةٍ مفصّلةٍ بأعمال منزلة، على المرء القيام بها، فكلّ إنسان هو فريد، وكلّ ظرف فريد أيضًا. هو سؤال يعكس إيمانًا بأنّ عمل الإنسان أو المجتمع يتأتى من ثقافات يتبنّاها، فتنمو وتخلق اجواء يستنبط منها، في كلّ زمن، ما هو الخيّر في حاضره، من اجل مستقبله. نطرق باب هذا السؤال، لأنّ ما يحمله الإنسان والجماعة من إيمان ومعتقدات، على الصعد كافّة، يشكّل قناعة إداريّة لها انعكاساتها على تسيير الأمور الحياتيّة والعلائقيّة”.
كما أوضح أن “عمل الرهبان في الجامعة لم يكن وحيدًا. أفكّر الآن بكلّ طالب وطالبة، إداريّة وإداريّ، أستاذة واستاذ، موظّف وموظّفة، وكلّ إنسان تعامل مع الجامعة وساعدها على النموّ. لذا تكلّمت عن مجتمع الجامعة، حيث المبادئ هي القاسم المشترك والجامع بين أعضاء المجتمع. أغتنمها فرصة لأدخل إلى ثقافة العرفان بالجميل لأشكر كلّ من زرع الخير في الجامعة، على مرّ تاريخها، وسمح لها بأن تصير ما صارت عليه. أعلم تمامًا أنّ الكثيرين وجدوا فيها، وكثيرين يجدون فيها، مكان نموّهم الحياتيّ والإجتماعيّ، وهذا مدعاة سرور لكلّ مؤمن بقضيّتها الساميّة. “ماذا علينا أن نعمل؟”، جواب يأتينا أيضًا من أولئك الذين آمنوا بكلام بطرس، فراحوا يعيشون ثقافة الشراكة، ويبنون الجماعة، كما يصف كاتب اعمال الرسل ذلك بابهى الصور: “وكان المؤمنون كلّهم متّحدين معًا، وكانوا يتشاركون في كلّ شيء” (أع 2: 44)، وكان لهم “قلب واحد ونفس واحدة” (أع 4: 32). أبدعوا في تفاعل “الأنا” و”النحن”، فنمت “الأنا” ونما “النحن”. “ماذا علينا أن نعمل؟”، أن تكون لنا ثقافة الشّراكة والنموّ المتبادل، بدل ثقافة “المونة” وثقافة “المعليش” وثقافة التّطلّع إلى الاستفادة من كلّ ما هو “خير عام” أو “قضيّة عامّة”. هي الثقافة المؤسّساتيّة التي لا تسمح بثقافة “إرضاء الأشخاص” بإذية الشراكة بين الفرد والمجتمع معًا. والشراكة تمتدّ أيضًا إلى كلّ من ارتاد الجامعة في الماضي ومن سوف يكون فيها في المستقبل، في أواصر رباط يعلي الفرد والجماعة في آن معًا. من هنا، تفرح الجامعة بمخطّطاتها حول رابطة قدامى الجامعة، الّذين هم عنوان فخرنا والّذين نفرح بتألّقهم أينما حلّوا”.
كما ذكّر “أن الثقافة الإيجابيّة هي التي سمحت للجامعة بأن تتطوّر. شاهدتم في الفيلم الذي استعرض بعض انجازات الجامعة بين عنصرة 2012 وعنصرة اليوم، بعض الأمور المهمّة التي تحقّقت. أشكر الله وأشكر كلّ من قام بهذه الإنجازات، من قريب أو من بعيد. فيتعمّق الإيمان في الجامعة بأنّ كلّ فرد فيها إنّما هو مساهم، بنوع أو بآخر، في إنمائها. ويترسّخ المعتقد أيضًا أنّ على المسؤولين في الجامعة، على تنوّع مسؤولياتهم، تنمية ثقافة المسؤوليّة وأخذ القرارات وخلق الآليّات الصحيحة للعمل الجامعيّ وخلق المناخات المؤاتية للعمل الفَرِح والمنتج والديناميكيّ والايجابيّ. كما وعلى المسؤولين ضبط الأجواء وعدم السماح لأيّ إنسان أو لأيّ أمر، إنْ من الداخل أو من الخارج، أن يعيق تقدّم حياة الجماعة، مهما تطلّب الأمر من جرأة وإقدام في أخذ القرارات الصّعبة. هذه هي حضارة نموّ الأفراد والجماعات والمجتمعات في آن معًا. هذا ما يجب علينا أن نعمل، وفق ما يعلّمنا كتاب أعمال الرسل الّذين لم يتركوا أمامهم ما يعيق تقدّم الجماعة الحاملة القضيّة النبيلة والساميّة. هذا ما يدخل في ثقافة الإيجابيّة وثقافة المساءلة والمحاسبة”.
وشدد على “أن منطق الشراكة الإيجابيّة هو الذي يحدو بالمسؤولين إلى التفكير بكلّ شخص في الجامعة وبكلّ شخص يصل اليه عمل الجامعة، مباشرة او غير مباشرة. هذه هي ثقافة المحبّة المنتبهة إلى حيثيّة كلّ إنسان في الجماعة. هذا التفكير يترجم باهتمام على مختلف الصّعد، الإنسانيّة والعلائقيّة والماديّة والهندسيّة والبيئيّة. وهذا ما تحاول الجامعة عمله مع موظّفيها وأساتذتها وإداريّيها وطلاّبها، سنة بعد سنة، قدر المستطاع. هي الرّوح عينها التي دفعت الجامعة إلى تحديث مكاتب الخدمات العامة فيها، ووضع أفضل الآليّات الإداريّة الـمُمَكْنَنَة، احترامًا للإنسان. هي الرّوح عينها التي دفعت السّلطات المحليّة والعامّة في الرهبانيّة إلى إقرار المخطّط الهندسيّ التوجيهيّ العام للجامعة وهي الرّوح التي جعلت الجامعة أكثر اخضرارًا، فانعكس ذلك راحة على أعضاء المجتمع الجامعيّ. وهي الرّوح عينها التي أدّت إلى بناء موقف للسيّارات كبير وحضاريّ، مع لمسات صغيرة هنا وهناك، وسيارات كهربائيّة بيئيّة ترسم البسمة على محيّا مستقلّيها، وقرارات من هنا أو من هناك، تهدف إلى صيرورة جامعيّة دائمة، تجعل من جامعة الرّوح واحة تريح نفس الدّاخل إليها”.
وخلص إلى أنه “تجاه كلّ هذا المشهد، يدقّ جرس إنذار شعور الانتصاريّة. فهذا الشعور مبيد لثقافة الإيجابيّة. العنصرة، مع ما حدث من بعدها في كتاب أعمال الرّسل، ترشدنا إلى “ماذا علينا أن نعمل؟”. فكما الرسل الّذين ثابروا، بعد كلّ نجاح، على حمل معتقدهم إلى أقاصي الارض، تعلّمنا العنصرة أيضًا أنّ الإيجابيّة تعني ثقافة المثابرة من أجل صنع التاريخ وفق قصد الله، أي للنجاح معه. من المفيد هنا سماع قداسة البابا فرنسيس، في القدّاس الصباحيّ في 12 نيسان الفائت يقول: “إنّ الإنتصاريّة هي تجربة كبيرة … هي الإعتقاد بأنّ كلّ شيء قد تمّ … ولكنّ الحقيقة هي أنّ كلّ شيء قد بدأ … لذا علينا السير إلى الأمام على الدّوام”. هذا ما تعنيه ثقافة المثابرة، فأعظم عظمة تفقد عظمتها إن لم تكن مقدّمة لما هو أعظم منها. هذا هو السّير في التّاريخ وصنعه وفق قصد الله سيّد التّاريخ. هذه هي الصّيرورة”.
كما تحدث الاب محفوظ عن التّعليم الإلكترونيّ (e-learning)، معلنًا “أنه قد بدأت الجامعة باستخدام برنامج رقميّ عالميّ جديد وتفاعل معه عدد كبير من الأساتذة. ولكن هناك ناحية ثانية من التعليم الإلكترونيّ، دخلت إلى كثير من الجامعات، ولكنها ما زالت مربكة للعالم الجامعيّ، وهي التعليم عن بعد، أي إنشاء الحرم الالكترونيّ أو التعليم المختلط. هذه النقطة تستحق التعمّق فيها من أجل ملاقاة التطوّر الإلكترونيّ الحاصل في العالم كلّه. “ماذا علينا أن نعمل؟”، أن نركب الركب العالميّ في هذا الصّدد ولا نخاف التّغيير، أيضًا برويّة”.
واختتم: “كلمتي إليكم كانت محاولة الجواب على سؤال وجوديّ وعَنصرتيّ. جلنا في مبادئ وفي ثقافات علينا اعتناقها: ثقافة المحبّة المنتبهة إلى كلّ إنسان في الجماعة، وثقافة العودة إلى المبادئ، وثقافة الإيجابيّة، والعرفان بالجميل، والشّراكة، والنموّ المتبادل بين “الأنا” و”النحن”، والمؤسّساتيّة، والمسؤوليّة وأخذ القرارات، والجودة، والمساءلة والمحاسبة، والحقوق والواجبات، والشفافيّة، والمثابرة، والنبوءة. كما مررنا على ثقافات نربح بأن نخسرها: ثقافة الإنهزاميّة، والإحباط، و”المعليش”، و”المونة”، وتمرير الأمور، والاستفادة من الخير العامّ، والهجرة، وإرضاء الأشخاص. كان التّركيز على مفاهيم وعلى أمثال تطبيقيّة. ولكن، “ماذا علينا أن نعمل؟”، بعد التركيز؟ علينا، نحن أعضاء المجتمع الجامعيّ في جامعة الرّوح القدس، الإنطلاق من جديد، بفرح. ويساعد على ذلك أحد المشاهد الأولى في كتاب أعمال الرسل، قبيل العنصرة وحلول الرّوح. فبعد صعود يسوع، وحين كان التلاميذ ينظرون إلى علُ، قال لهم الملاكان الآتيان من عند الله: “ما بالكم واقفين تحدّقون إلى السماء؟” (أع 1: 11). وكأنّها دعوة منهم، بعد التركيز، إلى الإنطلاق دومًا إلى الأمام، على الأرض، من أجل الإنسان، ومحبّة به، ومن أجل مجتمع الأرض، إنطلاقًا من المبادئ التي حمّلتها السماء للأرض. إنّها انطلاقة متجدّدة لتحقيق “ماذا علينا أن نعمل”.
وبعد تقبّل التهاني بالعيد، أقيم حفل عشاء بالمناسبة في الجامعة على شرف المدعوين.