وأما الكلام على تسونامي جديد نتيجة تمسك عون بالأرثوذكسي وتراجع “القوات اللبنانية” عنه، ليس موضوعياً، وما حصل بالأمس لا يصح اليوم للأسباب الآتية:
أولاً، على المستوى المسيحي: يمكن التوقف أمام أربعة عوامل أساسية ودائماً حسب 14 آذار:
أ- ولد الانسحاب السوري من لبنان شعوراً لدى شرائح مسيحية واسعة بأنه يمهد لـ”عودة الوضع المسيحي إلى قدمه”، هذا الوضع بالذات الذي استخدمه عون في حملته التجييشية، من دون أن تأخذ هذه الشرائح في الاعتبار دور “حزب الله” الذي لا يختلف عن دور النظام السوري، فضلاً عن وضع المسيحيين أنفسهم بعد 15 سنة حرب و15 سنة أخرى وصاية. وأما اليوم، فلا ينطلي على المسيحيين دور الحزب في حجز القرار السياسي للدولة اللبنانية، وأن المعركة الأساسية ما زالت تغييب الدولة اللبنانية.
ب- الثقة التي أولاها الرأي العام المسيحي في استحقاق 2005 لـ”التيار العوني” نابعة من مواقفه السيادية والاستقلالية، وعلى قاعدة من أولى من التيار في خوض معركة التمثيل المسيحي بعد “انتهاء المعركة السيادية”، فيما الوضع يختلف اليوم جذرياً إن نتيجة التحالف العضوي بين عون و”حزب الله”، أو بفعل أن الأولوية ما زالت للمعركة السيادية.
ج- لا يمكن مقارنة وضع “القوات اللبنانية” بين عامي 2005 و2013، حيث نجحت القوات في تنظيم صفوفها وتوسيع رقعة انتشارها ومد حضورها، وكما نجحت في توظيف الهجمة الأرثوذكسية عليها في إعادة شد العصبية القواتية، هذه العصبية التي أعادت الروح والدينامية إليها في آن معاً، ما أخرج القواتيين من حال الاسترخاء إلى التعبئة نتيجة الشعور بالاستهداف.
د- الرأي العام المسيحي المدني الذي شكل في العام 2005 بيضة القبان لمصلحة عون، لم يعد بعد توقيع الأخير وثيقة التفاهم مع “حزب الله” في هذا الوارد، لا بل ينظر إلى عون كعقبة أساسية أمام قيام مشروع الدولة في لبنان.
ثانياً، على المستوى الوطني: الانقسام الوطني اليوم أوضح بكثير من الانقسام في 2005، وبالتالي تخاض الانتخابات المقبلة على قاعدة مشروعين مختلفين حتى العظم بين فريقي 8 آذار ومشروعه الإقليمي، و14 آذار ومشروعها اللبناني، وبالتالي عنوان صحة التمثيل، على أهميته، يبقى ثانوياً أمام العنوان السيادي، لأن صحة التمثيل الفعلية تبقى منتقصة وقاصرة طالما أن السيادة منتهكة، وأي تمثيل في ظل غياب الدولة هو تمثيل وهمي لا واقعي، فضلاً عن أن المواجهة مع عون لا تخاض من مربّع مسيحي أو تحالف رباعي إسلامي، إنما من موقع شراكة مسيحية-إسلامية يتجسد في 14 آذار.
ثالثاً، على مستوى المشروع المسمّى أورثوذكسي: يتعامل عون مع الأرثوذكسي وكأنه تحول إلى أمر واقع، أو كاد يتحول، وأن موقف القوات حال دون ذلك، فيما إدارة الرئيس نبيه بري أكدت أنه لم يكن في وارد عرض أي مشروع غير توافقي، فضلاً عن أن أي مشروع انتخابي غير قابل للحياة ما لم يحظَ بتوافق وطني، إلا في حال يريد عون تكرار تجربة 1992 مع المسيحيين، إنما هذه المرة مع السنّة والدروز.
ويبقى أنه بدلاً من أن تتقاطع 8 مع 14 آذار على المختلط بعد نجاح “القوات” في إقناع “المستقبل” بالنسبية وإنتاج مشروع تمثيلي مقارنة بالستين، تعرضت حسب قيادي في القوات لحملة شعواء من الفريق الأول الذي ثبت أن كل همه محاولة تحسين الوضع المسيحي لعون من خلال دعمه فتح معارك وهمية تحت عنوان التمثيل المسيحي تماماً كما حصل في عامي 2005 (التسويق لفكرة تحالف المسلمين ضد المسيحيين) و2009 (استعاد عون حقوق المسيحيين في الدوحة)، هذه العناوين التي لم تعد تنطلي على أحد، وخصوصاً أن أولوية المسيحيين كانت وما زالت الدفاع عن منظومة قيمهم وثوابتهم ومسلّماتهم. 
