فالشراكة المسيحية-الإسلامية في الجمهورية الأولى مطلب إسلاميّ مُحقّ، ولكنّ توسّل البارودة الفلسطينية لتحقيق هذا الهدف كان خطأ. والشراكة المسيحية-الإسلامية الفعلية في جمهورية الطائف مطلب مسيحيّ مُحقّ، ولكنّ توسّل العنوان الطائفي لتحقيق هذا الهدف خطأ، لأنّ هذا العنوان يقود إلى فرز طائفيّ من جهة، ومطالبات طائفية من قبيل تطبيق الديموقراطية العددية من جهة أخرى، الأمر الذي ينعكس سلباً على المسيحيّين وحضورهم السياسي.
فصِحّة التمثيل المسيحي لا تتحقّق من مربّع مسيحي، إنّما من مربّع وطنيّ وعلى قاعدة إشعار المسيحيّين أنّ مشاركتهم أساسية لا ثانوية، وأيّ مقاربة طائفية يكون الهدف من ورائها ليس تحسين التمثيل المسيحي، إنّما إعادة فرز اللبنانيين على قاعدة طائفية بما يخدم توجّهات محور الممانعة وأهدافه بإظهار لبنان دولة مفكّكة وغير قابلة للحياة، ما يبرّر استمراره ساحة مستباحة.
وأيّ متابعة لإدارة المشروع “الأرثوذكسي” تظهر أنّ العمل من قِبل “التيار الوطني الحر” كان يتركّز على محورين على قاعدة Win Win Situation: المحور الأوّل مسيحي ويهدف، في حال تبنّي “القوات اللبنانية” مشروعاً آخر، إلى تصويرها أمام الرأي العام المسيحي وكأنّها تراجعت عن حقوق المسيحيّين بغية الظهور بمظهر المدافعين الشرسين عن حقوق الطائفة المسيحية، علماً أنّ هذه المعركة كانت وهمية لاستحالة تمرير مشروع تقف في مواجهته طائفتان في لبنان، الدروز والسُنّة، والطائفة الأخيرة توحّدت في مواجهته بين 8 و14 آذار، فضلاً عن أنّ رئيس المجلس لم يكن في وارد عرض مشروع غير توافقيّ، وهذا ما أثبتته الجلسات اللاحقة، وبالتالي الإيجابية الوحيدة لـ”الأرثوذكسي” أنّه أدّى إلى المشروع المختلط الذي يعدّ مكسباً مسيحيّاً فعليّاً.
والمحور الآخر سنّي-درزي ويهدف، في حال إصرار الرباعي الحزبي المسيحي على “الأرثوذكسي” ورفض الرئيس برّي عقد جلسة لغياب التوافق، إلى تحميل السُنّة والدروز مسؤولية تضييع الفرصة التاريخية على المسيحيّين لاستعادة تمثيلهم، وبالتالي وضع الشارع المسيحي في مواجهة الشارعين السُنّي والدرزي، وتحوّل “حزب الله” إلى دور “الصليب الأحمر” بين الطرفين، ما يعني ضرب الوحدة المسيحية-الإسلامية التي تحقّقت في انتفاضة الاستقلال، وفرطعة 14 آذار، وتعويم “حزب الله” ومشروعه.
وما تقدّم يُظهر أنّ رفع “التيار الحر” عنوان صحّة التمثيل هو مطلب حقّ يُراد به باطل.
ويبقى أنّه على رغم أهمّية صحّة التمثيل للطوائف في لبنان، إلّا أنّ المعيار التمثيلي الحقيقي يكمن في التمثيل السياسي لا الطائفي، ومصلحة المسيحيّين العليا تكمن في جعل الفرز على قاعدة سياسية لا طائفية…
