لم يعد هناك مجال للشك، بأن القوى المسيحية التي اجتمعت في بكركي برعاية البطريرك بشاره الراعي، ووضعت نتيجة مباحثاتها حول اي قانون انتخابات يؤمن صحة التمثيل للمسيحيين، اولوية للمشروع المقترح من قبل لقاء بعض الشخصيات الارثوذكسية والذي يختصر بأن تنتخب كل طائفة نوابها، انقسمت في الرؤية الى فريقين فريق يريد ان يذهب بالاقتراح الارثوذكسي الى النهاية بشرط حصوله على دعم او عدم معارضة الشريك المسلم – وهذا لم يحصل – وبالتالي الاتكاء على هذا الاقتراح للتفاوض مع الحليف السنّي والشريك الدرزي في مصالحة الجبل، لتحقيق تصحيح محترم لصحة التمثيل المسيحي، وهذا ما حصل بعد مفاوضات صعبة وطويلة قادها هذا الفريق المتمثّل بحزبي القوات اللبنانية والكتائب اللبنانية وانتجت مشروع قانون مختلط بين الاكثري والنسبي يؤمّن بين 54 و55 نائبا مسيحيا منتخبين بأصوات مسيحيين من اصل 64 نائبا ويشارك المسيحيون في انتخاب النواب المسيحيين الآخرين الذين ينتخبون بأكثرية اصوات مسلمة، ويشاركون ايضا في الشق الاكثري بانتخاب نواب مسلمين بأصوات مسيحية.
اما الفريق الثاني، المتمثّل بالتيار الوطني الحر وتيار المردة فكان على ما ظهر من الحملة الواسعة التي شنّت على حزب القوات اللبنانية وعلى رئيسه تحديدا الدكتور سمير جعجع، فور الاعلان عن التوصل الى مشروع قانون انتخابي مختلط، يضمر امرا مختلفا لتحقيق هدفين، الاول الوصول من خلال المشروع الارثوذكسي القائم على النسبية وعلى المذهبية الى اسقاط الاكثرية النيابية التي حصلت عليها قوى 14 آذار في انتخابات العام 2009 بالتحالف مع الحزب التقدمي الاشتراكي والوصول الى اكثرية جديدة لقوى 8 آذار تعمل بعد اربعة اشهر من تشكيل حكومة من لون واحد على وضع قانون انتخاب جديد قائم على اعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة على قاعدة النظام النسبي، للسيطرة على الدولة اللبنانية لمدة ثماني سنوات مقبلة والتحكّم بانتخاب رئىس جديد للجمهورية في العام المقبل، وهذا القول ليس من عندياتي، بل هو موقف معلن بالصوت والصورة كشفه الوزير السابق وئام وهّاب من على شاشة تلفزيون التيار الحرّ.
اما الهدف الثاني المخطط له منذ البداية، فهو محاولة الغاء حزب القوات اللبنانية، وتشويه سمعته ودوره وتوجهاته لدى المسيحيين، والذهاب فورا الى احضان قانون الستين، للإفادة منه على السخن، قبل ان تبرد الرؤوس الحامية التي بلبلتها الحملة التي تتنافى مع جوهر الدين المسيحي، ولكن القوات اللبنانية التي واجهت طول عقود، ومنذ ما قبل استشهاد قائدها الرئيس بشير الجميل، محاولات الإلغاء والقتل والسجن والاضطهاد، وحوّلتها جميعها الى محاولات فاشلة، لن تسقط امام المحاولة الاخيرة القائمة على مجموعة تلفيقات وتشويهات واتهامات اصبحت معروفة تقريبا من الاكثرية الساحقة من المسيحيين واكّدتها استطلاعات الرأي الاخيرة، التي وضعت حزب القوات في مقدمة الاحزاب المسيحية، ولحظت تقدما ملحوظا للاحزاب والقيادات المسيحية الاخرى.
***
على المسيحيين في هذه الايام البائسة، التي تسببت بها السياسات الخاطئة، والمواقف المتوترة، ان يفكّروا جيدا بمصلحة المسيحيين الحقيقية اليوم، وغدا وبعد غد، في لبنان وفي دول العالم العربي حيث انتشارهم ا لاكبر، وفي الدول الصديقة ويقارنوا بين مشروع لا يمكن ان يبصر النور لأسباب اصبحت منظورة حتى من الكفيف، وبين مشروع، في حال صفت النيّات، وقويت الارادات، يجعل من المسيحيين شركاء حقيقيين موفوري الكرامة والوجود، ويشكّل جسر عبور الى الافضل، ولا تجوز المقارنة بأي شكل من الاشكال مع قانون الستين اللعين.
