ولما كانت المواجهة العسكرية الرئيسية للحزب في نهاية الثمانينيات هي بشكل مكثّف ودموي داخل الطائفة الشيعية نفسها، وضد “حركة أمل” في معارك الضاحية واقليم التفاح وبعلبك، ثم كانت مساهمة الحزب طيلة التسعينيات في تحطيم الميليشيا العميلة لاسرائيل في جنوب لبنان، “جيش لبنان الجنوبي” التي تضم بواقع الأمر أكثرية عديدها من الطائفة نفسها، فقد كان ممكناً للحزب أن يبقي على رأسماله “اللامذهبي” الأوّل، المحصّل بالصدفة، ثم يراكم عليه الرأسمال الاضافي بفعل تطوّر علاقته بحركة “حماس”، لا سيما بعد ابعاد قيادييها الى مرج الزهور.
ومع تحرير الجنوب اللبناني عام ألفين بدا أن الرأسمال الرمزي “اللامذهبي” الذي يمتلكه الحزب الخميني العامل في لبنان محصّن بما فيه الكفاية ليجعل بعض المعجبين بتجربة هذا الحزب الكفاحية يتطوّعون لمقارنته بحركات “لاهوت التحرير” وحركات التحرّر الوطني، بل وصل الشطط حدّ ادراجه في منظومة “اليسار العالمي الجديد”.
الأكثر مدعاة للأسى في هذا المجال انّ انقشاع الأوهام “اللامذهبية” حول طبيعة “حزب الله” ومقاصده سبق لبنانياً بسنوات عديدة انقشاع هذه الأوهام في المجتمع السوري أو لدى الشعوب العربية بشكل أوسع. في الأسابيع الأولى للثورة السورية، كان بعض السوريين يمنّي النفس بموقف لـ”حزب الله” متفلّت من النظام السوري، ومتناغم مع موقف “حماس”. كانوا يكرّرون بذلك انتظارات الفلاحين الروس الفقراء في ثورة بأن يقف القيصر الى جانبهم. في سوريا، كانت الصدمة كبيرة. كانت هذه الصدمة هي آخر سوء التفاهم الذي نشأ أول ما نشأ يوم نأى “حزب الله” بنفسه، لغاية ايرانية محض، عن “حرب المخيمات” التي شنّها النظام السوري وحركة “أمل” ضد الفلسطينيين، بروحية مذهبية نافرة وسافرة.
هذه الصدمة اللبنانية والسورية والعربية تسمّى وعياً: الوعي بأن “حزب الله” منظمة فئوية مذهبية غيبية ذات نزعة فاشية وتتحرّك بجهاز التحكّم عن بعد الايراني.
لكن شرط تحوّل هذه الصدمة وعياً هو تجنّب الوقوع في الغوغائية، حتى في مواجهة “حزب الله”. من الغوغائية مثلاً اللجوء الى “نظرية المؤامرة” لتفسير كل كبيرة وصغيرة في مجرى الصراع السوري، والتماهي بذلك مع طريقة وزن “حزب الله” للأمور. نعم، ثمة الكثير من النقد الذي ينبغي ان يوجّه للغرب، ولادارة الرئيس باراك اوباما تحديداً، في ما يتعلّق بالأزمة السورية وشكل التعاطي معها. لكن هذا شيء والقول انّ اميركا هي التي افتعلت “الفتنة المذهبية” بسبب امتناعها عن التدخل شيء آخر تماماً. لنفترض للحظة ان المارينز هبطوا على الأرض السورية هذا الصباح. سيهبّ حينها “حزب الله” و”جبهة النصرة” جنباً الى جنب لمقاتلتهم، وتناسي الأحقاد المذهبية التي “ضخّتها المؤامرة”، وسيعود المثقف اليساري “الأبله”، المعادي للامبريالية، لمعادلته العنصرية البسيطة: رجل أبيض ضد شعوب ملونة.
الصدمة كي تتحول وعياً تتطلّب اقتلاع نظرية المؤامرة من جذورها. وهذا ليس كلاماً نظرياً فقط. بعض الانقسامات داخل المعارضة السورية يمكنه ان يتحول الى اختلافات حميدة وحيوية اذا ما أطيح بنظرية المؤامرة.
