في القُصير، يسقط مقاتلون لـ«حزب الله»، ومقاتلون سلفيون من طرابلس وعكار. وفي طرابلس، بتأكيد الوزير مروان شربل، سقط في الإشتباكات الأخيرة مقاتلون سوريون. والإستنتاج التلقائي هو: لا ينقص الصورة سوى سقوط مقاتلين لـ«حزب الله» في طرابلس!
يوماً بعد يوم، تظهر مفاعيل المَهَمّة التي ينفّذها تحالف الأسد – “حزب الله”، بدعم إيراني. وإذا كانت بقعة العمل المشتركة تتداخل على جانبي الحدود من جرود الهرمل وعكار إلى مزارع شبعا والجولان، فإن أسئلةً بدأت تُطرح حول موقع منطقة عكار – طرابلس في قلب الصراع. ويتكوّن إنطباعٌ متزايد بأن هذه المنطقة تنزلق أكثر فأكثر نحو الأتون المندلع وراء الحدود.
طرابلس كانت دائماً، في لبنان، الخزان السني الأقوى. ولطالما بقيت ركيزة الطائفة في الصراع المذهبي الداخلي، لأنها ليست كبيروت خاضعة لترتيبات المدينة الحاضنة للجميع. وهي ليست كصيدا، بوابةً وعاصمةً للجنوب “الشيعي”. إنها نائية عن ضغط “حزب الله” وعن المركز. لكنّ هذه المعادلة تتبدّل تدريجاً منذ إندلاع الحرب الأهلية في سوريا. فهي تبعد عن الحدود أقل من 37 كلم، أي ما يوازي المسافة بين القُصير وحمص مثلاً (35 كلم). وهي تتأثر مباشرة بالحرب الدائرة هناك. ولذلك، فإنها لم تَعُد المدينة النائية عن الضغوط، بل هي مرشحة أكثر من أيّ تجمع سني آخر للدخول في مواجهة مذهبية، من البابين الشمالي (الساحل السوري) والشمالي الشرقي (الهرمل وحمص).
تشكّل طرابلس إمتداداً طبيعياً لبيئة عكار الجغرافية والديموغرافية. وهذه البيئة شاء إتفاق سايكس – بيكو أن يفصل بينها وبين المنطقة السورية المحاذية من حمص إلى طرطوس، فيما هي بيئة واحدة تاريخياً وإجتماعياً. ففي المدينة مثلاً، تتمّ المواجهة المذهبية بين قطبيها نفسيهما في سوريا، أي السنّة والعلويين. وليس هناك منطقة أخرى في لبنان تتمتع بالثقل السكاني العلوي كجبل محسن. وهذه المنطقة تحظى بالرعاية القصوى من جانب النظام في سوريا، وتتلقى الدعم القوي بالسلاح والخبرات منه ومن “حزب الله”. وليس واضحاً إذا ما كان لـ”الحزب” مقاتلون في الجبل، لكنّ ذلك لا يعود مستغرباً إذا إعتُمدت المبررات إياها التي أطلقها “الحزب” للإنخراط في معارك القُصير وحمص ودمشق وسواها.
وما يخشاه الخبراء هو إنضمام طرابلس إلى بقعة النار اللبنانية – السورية المتداخلة. والتعبئة السنية ضد نظام الأسد في طرابلس بلغت الذروة، وترجمتها مظاهر العنف في التعاطي مع رجلٍ تمّ القبض عليه في المدينة قبل أسابيع، وفي حوزته بطاقة تثبت إنتماءه إلى أجهزة النظام. ويؤدي المسار الذي يسلكه الصراع في البقعة الحدودية إلى إنتقال الشرارة في شكل شبه مؤكد إلى طرابلس، عن طريق عكار. فمن الواضح أن جيش النظام و”حزب الله” يريدان تأمين الترابط بين منطقة النفوذ الوسطى، أي دمشق – القصير – حمص مع المنطقة الساحلية. وفي سبيل ذلك، يمكن لـ”الحزب” أن يستخدم بعض المناطق العكارية لضمان “أمنه”. وهو ما وصفه النائب خالد الضاهر قبل فترة بأنه “تطهير” بعض القرى السنية في عكار “بذريعة أمنية”.
وإذا ما حصل ذلك، فستندلع مواجهات في عكار، وطرابلس التي تشكل العمق السني الوحيد لعكار. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى دخول الشمال اللبناني مباشرة في المنزلق السوري. وثمّة مخاوف من تداعيات هذا السيناريو على لبنان بأسره.
فهل هي الملامح المحتملة لدخول سوريا مرحلة الإهتراء وفرز مناطق النفوذ؟
قبل شهر، قال الرئيس بشّار الأسد في لقاء مع حلفاء لبنانيين: “هل يستطيع لبنان ان يزيل من أرضه الـ10452 كلم2، ويضعها في أفريقيا، أم ستبقى مجاورة لسوريا؟ لذلك إن سياسة النأي بالنفس “غلط”، و”النار تُحرق الجسم بكامله، إن لم نقل بسبب العامل التاريخي، فبالعامل الجغرافي”. و”لحماية لبنان”، دعا إلى “علاقة قوية” بين البلدين.
في كلام الأسد تهديد مزدوج: سننقل النار إلى لبنان إذا ما هددونا بها… ولا مجال لتجنّب الكارثة في لبنان إلّا إذا عدنا إلى الإمساك بالقرار. وهذا التهديد يتكامل مع التهديد الإقليمي الشهير بـ”زلزال” يضرب المنطقة. فبالنسبة إلى نظام الأسد، طبيعي أن يكون لبنان جزءاً من “بيته”.
قد تنتهي سوريا إلى التقسيم أو التفتيت أو الفوضى اللامتناهية. وفي أي من هذه الحالات، سيكون لبنان على تماس مع النار. والخوف أن تنتقل خطوط التماس السنية – الشيعية إلى لبنان، أو أن تتداخل لبنانياً وسورياً. فالسيناريو الكارثي سيكون مثلاً: جبهة الهرمل – طرابلس، وخطوط تماسِّها في عكار! وبعد ذلك، لا داعي لطرح الأسئلة.