“عنف عواطف الجمهور يزداد مبالغةً لدى الجماهير بسبب انعدام المسؤولية… ومن المعروف ان الخوف من التداعيات السلبية يُجبر الفرد المسؤول على قمع هذه العواطف”. هذا ما استنتجه أهم الأخصائيين في علم نفس الجماهير، كسيغموند فرويد وغوستاف لوبون وغيرهما.
“مشكلة” القوات اللبنانية الرئيسة أنها تعرف فن التعامل مع الجمهور وغرائزه، لكنها لا تريد امتهان هذه “الحرفة”. ليس صحيحاً ان “صوت الشعب من صوت الله”، وإلاّ لما كان صوت الشعب الألماني خلف هتلر، اودى بحياة خمسين مليون شخص!
عندما عاد موسى من الجبل المقدّس وجد “شعب الله المختار”، قد اختار عبادة الصنم، وليس الله. لو اصغى موسى الى صوت “شعب الله المختار” في تلك اللحظات المجنونة، لجاء المسيح من بعده، لا ليُكمل بل لينقض.
“القوات اللبنانية” ليست مسؤولة امام الله فحسب، بل هي مسؤولةٌ امام الأجيال اللاحقة ايضاً. المسؤولية التي تتحملّها “القوات” تُجبرها على قمع العواطف المتطرفّة.
“القوات اللبنانية” لديها الكثير ممّا تخشى عليه، لديها تاريخها، وتضحياتها، وشعبها. لديها مسؤوليتها التاريخية في قيادة سفينة المجتمع المسيحي الى شاطىء الآمان. لذلك فهي تُجبر نفسها على “قمع عواطفها” والسير عكس رياح الغرائز والشعبوية.
غيرها، لا يخشى على شيء، ما يهمّه، ليس مستقبل الشعب المسيحي كما يحاول إيهامنا، وإنما مقعد صهرٍ من هنا، وصهرٍ آخر من هناك، وابن اختٍ وعائلة، ووراثةٍ سياسية من هنالك… “تبّاً لكم ايها الجماعة وترحاً…”
هل سأل المسيحيون انفسهم يوماً لماذا ينخفض الأوكسيجين، المساعد على الحياة، الى الأدنى، ويرتفع أول اوكسيد الكربون، الى الأعلى، مع أن الأول مفيد والثاني مُضرّ؟ إنسان زائد قِيم ثنائي تركيب، فهو اوكسيجين، وإنسان من دون قِيم أحادي التركيب، فهو اول اوكسيد الكربون، فإذا احترق البلد ارتقى من هو من دون قِيم…
هكذا يرتفع اول “اوكسيد العون” الى الأعلى، في كل مرّة يكون الوطن مهدداً، ومصير المجتمع المسيحي على المحّك.
غالبية كبرى في الشارع المسيحي، بما في ذلك بعض العونيين بالذات، تعلم علم اليقين، بأن العونية تُضمر الغش والخداع في طرحها لـ”لأرثوذكسي”، لكن ما يهم هذا الشارع بعد طول تهميشٍ وإقصاءٍ واحتكار، ليس فضح المفضوح وكشف المكشوف اصلاً، وانما “اكل عنب الحقوق المُستعادة”.
ما يطرحه العماد عون اليوم، هو استعادة الحقوق المهضومة، وإنما صورياً.
عندما يكتشف هذا الشارع بأن اقتراح قانون “القوات” يُعيد له حقوقه فعلياً، لا صورياً، سيمتنع عن السير خلف السراب، وسيقتنع بأن مبدأ “العمل افضل من التنظير” يُعبّر عن تفكيرٍ سليم، بخلاف اكذوبة “أنا القبطان، اموت ولا اترك السفينة”، بما جرّته من فشلٍ وموتٍ وويلاتٍ على المسيحيين.
ماذا ينفع المسيحيين لو ربح العماد عون 64 مقعداً مسيحياً وجيّرها بأكلمها الى “حزب الله”؟ كيف يمكن للمسيحيين ترجمةً هذا النصر الوهمي على ارض الواقع، في ظل التغيّرات الخطيرة التي تشهدها المنطقة؟
عندما كان الإحتلال جاثماً على صدر اللبنانيين، كانت حقوق المسيحيين مُستباحة بالكامل. ماذا ينفع المسيحيين لو حصل العماد عون على 64 نائباً مسيحياً، ثم قدّمهم على طبقٍ من فضّة، لمن استباح هذه الحقوق بالأساس؟ “تيتي تيتي مثل ما رحتي متل ما جيتي”.
ماذا ينفعهم لو ربحوا اوهام العالم كلّها، وخسروا امنهم وحريتهم وسيادتهم ووجودهم؟
في “القصير” يخوض “حزب الله” معركة تثبيت وجود نظامٍ قتل واخفى وداس كرامة المسيحيين، وفي لبنان يُلاقي العماد عون حليفه حزب الله، في معركة إلغاء معارضي هذا النظام.
“القوات” في اساس نشأتها، هي حزب العمال والمناضلين والثائرين على الظلم والاستبداد والإحتلال، والمنتفضين على تحالف الإقطاع والمال والفساد والزبائنية.
التيار العوني هو تيارٌ مادي رمادي من تحت، ولكن “ثورجي” ظاهرياً من فوق!! إنه تيار الجدلية بامتياز. هو يحمل الأطروحة ونقيضها، لا على مستوى التقلّبات السياسية فحسب، وإنما على مستوى التسميات ايضاً.
إسمه “إصلاح وتغيير” امّا مضمونه، فتعطيل وتلفيق وفساد وصفقات وسمسرات واموال طاهرة.
إسمه “العماد”، ولكن مضمونه هو سلاح الميليشيات والطعن بالمؤسسة العكسرية.. والعماد.
إسمه “دولة الرئيس” ولكن مضمونه هو إسقاط الدولة وتهميش الرئيس.
إسمه “سعادة النائب” ولكن مضمونه هو النوائب، وحرمان اللبنانيين من تذوّق طعم السعادة.
إسمه “وطني حرّ” ولكن مضمونه هو استلحاق اقليّةٍ لأقليّةٍ اُخرى، والتبعية للنظامين السوري والإيراني.
كلما طغى الجانب الإقتصادي المادي على طبيعة حزبٍ ما، كلما تراجعت روحانيته وثوريته، لو مهما حاول الإيحاء عكس ذلك. عندما يتعلق الأمر بمناقشاتٍ حول المواضيع الإقتصادية والمالية داخل مجلس النواب وخارجه، يكاد نواب التيار العوني يحتكرون دفّة النقاشات.
ادولف هيتلر كان مُخطئاً في كل شيء، إلاّ في قوله هذا :”الإنسان لا يُضحّي بنفسه من اجل صفقةٍ تجارية، ولكنه يفعل ذلك من اجل فكرةٍ أو مُثلٍ عُليا”. التيار العوني يبيع ويشتري بالجملة والمفرق، لذلك فهو يفتقر للتضحية والشهداء، ولذلك ايضاً فهو يُضحّي بالجميع في سبيل صفقاته التجارية، ولذلك فهو يكره شهداء الغير ايضاً وايضاً.
استراتيجية تركيا في تفكير داوود اوغلو تقوم على “صفر مشكلات”. استراتيجية العماد عون هي “صفر تضحيات” على المستوى الشخصي والحزبي، ولكن تضحيات وصفقات وتنازلات بالجملة، على مستوى الوطن والمجتمع وكرامة الناس.
كلما عشّشت العقلية العونية التجارية، في تنظيمٍ “ثوري نضالي” كـ”حزب الله”، كلما نخرت فيه كما ينخر السوس في النخيل. هكذا، وقع “حزب الله” تحت تأثير تحالفه بالتيار العوني، فتخلّى الكثير من مسؤوليه عن “زهدهم”، وبدأ الفساد والسمسرات والمحسوبيات تعّم صفوفهم “الأمامية”، في مقابل تراجع “أخلاقيات” عناصر ومسؤولي “حزب الله” الى الصفوف الخلفية.
“اول اوكسيد العون” ليس عبئاً على السيادة والحرية والإستقلال فحسب، وإنما على قضية و”أخلاقيات” حليفه “حزب الله” ايضاً. عندما تنتفي حاجة حزب الله الآنية للتيار العوني، سوف يرمي عن كاهله عبء هذا الفساد الثقيل.
أن يتحوّل “حزب الله” الى نسخةٍ مُنقحّة ومُبتذلة عن “اول اوكسيد العون”، في الثرثرة والرياء والغش والفساد والفجور و”العقلية التجارية”… فعندها على “الفقيه العادل والصالح والزاهد”… السلام!