كتب يوسف دياب في صحيفة “المستقبل”:
لا يصدق عاقل أن دوامة العنف التي تعيشها طرابلس اليوم، مرتبطة بقرار من قادة المحاور القتالية ولا حتى بيد رئيس العصابة الأسدية المتمترس في جبل محسن، والذي يحوّل حياة أبناء الطائفة العلوية القاطنين في هذه المنطقة كما كل أبناء طرابلس، الى وقود لنار أسياده القابعين في دمشق، المتفرغين كلياً لحرب الإبادة التي يخوضها ضد الشعب السوري.
ولا يصدق عاقل أيضاً أن جولة النار الجديدة قابلة للتوقف بناء لقرار سياسي، أو بإجراءات صارمة من الجيش والأجهزة الأمنية الرسمية، بدليل أن مسؤول العصابة السورية في طرابلس رفعت عيد، حوّل قبل يومين وحدات الجيش المنتشرة في مناطق المواجهات الى أهداف مشروعة لقناصته، ما أدى الى سقوط شهيدين للجيش وستة جرحى، وذلك بمثابة ردّ عاجل على تحذير قائد الجيش العماد جان قهوجي بعدم التهاون مع المخلين بالأمن. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ إذ سرعان ما خرج الشبيح رفعت عيد ببلاغ عاجل، ومن دون مقدمات وبعد ساعات من الهدوء الحذر، ليطلق تهديداته بإحراق طرابلس من شرقها الى غربها، وسرعان ما نفّذ هذا التهديد بدك معظم مناطق المدينة وأحيائها وحتى المناطق البعيدة ومنها الميناء الواقعة على البحر بقذائف مدفعيته الثقيلة والمتوسطة، وتلويحه باستخدام أسلحة غير تقليدية، ربما “كاسرة للتوازن” المكسور أساساً، بفعل عدم تكافؤ القوة التسليحية، ويحوّل حياة الآمنين الى جحيم لا يطاق.
هذه الحلقة الجهنمية لم تكن ولو للحظة مرتبطة بالوضع الميداني على الأرض، إنما مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمعركة القصير، والتي على ما يبدو طويلة ودامية، بعدما أخطأ “حزب الله” حساباته فيها، وظن أنها ستكون نزهة أو رحلة استجمام يطهّر فيها القصير من أبنائها ويقدمها على طبق من فضّة لأولياء أمره في طهران ودمشق، بحجة خوضه حرباً استباقية ضدّ الجماعات التكفيرية والإرهابية، كما فعل عندما اجتاح بيروت في السابع من أيار، وتذرّع بأن غزوة “اليوم المجيد” أوقفت حرباً أهلية كانت على وشك الاشتعال في لبنان، فكان الأبرياء في بيروت وبعض مناطق الجبل والبقاع ضحاياها، كما يظهر اليوم تماماً أن أطفال سوريا يُذبحون على أيدي “أبطال الواجب الجهادي” وأعوانهم من شبيحة النظام الأسدي وعصابات الحرس الثوري الإيراني والتنظيمات العراقية المتطرفة وغيرها من المرتزقة. بمعنى أوضح أن جبهة طرابلس لن تعرف الهدوء قبل أن ينجلي غبار معركة القصير وتعرف هوية الجهة المنتصرة فيها.
هذا الواقع الذي يقلق أبناء طرابلس، عبّر عنه بوضوح المدير العام السابق لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، الذي ذكّر بأن “كرامة طرابلس وأهلها ووجودها ليست مطية لأحد”. وأوضح أنه “إذا كانت طرابلس مدينة للسلام والمحبة والعيش المشترك، فإنها في الوقت نفسه تعرف كيف تدافع عن نفسها، وكيف يحميها أبناؤها بأرواحهم”.
وقال ريفي في حديث الى “المستقبل”: “لا أحد يستطيع بديماغوجيته أن يحوّل طرابلس الى تورا بورا، هذه المدينة كانت وستبقى مدينة التنوع والتعايش، فأبناء جبل محسن كما أبناء باب التبانة هم أبناء المدينة التي تحتضنهم جميعاً، ولا يظنن أحد أن بندقيته وطنية وبندقية غيره إرهابية، بندقيتنا أيضاً وطنية، المطلوب من الفريق الآخر أن يعيد حساباته، وأن يمدّ يده للبنانيين لنبني وطننا ونسلّم قرارنا للدولة اللبنانية التي وحدها تجمعنا، لكن لا نقبل أن تبقى طرابلس معتدى عليها، هي ستدافع عن نفسها بواسطة أبنائها الموجودين على المحاور، ومن غير المقبول تصوير المعتدي ضحية، والمعتدى عليه جلاد”.
أضاف: “لا يتوهمن أحد أنه قادر على حكم البلد لوحده والتحكم بمصير شعبه مهما كانت قوته وجبروته، قد يتحكم لمرحلة محددة ولكن هذا سيؤذيه ويؤذي البلد.. عليه أن يعرف أننا أبناء بلد واحد وشركاء في المواطنة على قدم المساواة، في المرحلة الماضية تحملنا وأهلنا في طرابلس وغير طرابلس إساءات كبيرة ممن يدعون الوطنية وحماية لبنان، لكن نقول لهم اليوم كفى.. الناس لم تعد تحتمل المذلة والإهانة، ويبدو أن بخار القوة أعمى بصائر البعض فارتكبوا الخطايا الكبرى”، لافتاً الى أن “ما يحصل في طرابلس اليوم هو استكمال لـ7 أيار واستكمال لمعركة فتح الإسلام التي فتحوها قبل ست سنوات وهي مستمرة بأوجه أخرى”.
ورداً على سؤال عن قوله “لا نستطيع أن نرتدي تنانير، وسندافع عن شرف المدينة”، وما إذا كان يعني أن هناك قراراً بالاستمرار بالمواجهة في طرابلس، أكد ريفي أن “استمرار التدهور أمر غير مقبول ولا يمكن السكوت عنه، والدفاع عن طرابلس وأهلها شرف لا ندّعيه ونلتزمه، ومن الواضح أنه نتيجة فشل البعض في حسم معركة القصير يعمل على تفجير الساحة الطرابلسية لحرف الأنظار وإبلاغ الشماليين بأنهم سيدفعون ثمن فشله في القصير”.
وعمّا إذا كان يعتبر أن معركة طرابلس مرتبطة بمعركة القصير، قال ريفي: “أنا كعسكري ومن موقع الخبرة أقول عندما كان “حزب الله” يخوض معارك محقّة كان ينتصر، أما أن يخوض معارك غير محقة فلن يخرج منتصراً بأي منها على الإطلاق.. عندما كان يواجه إسرائيل كنا الى جانبه، وهو يعرف أننا كنا الى جانبه وكيف كنا نساعده، أما أن يذهب الى معركة خاطئة في القصير، ويشارك في قتل الشعب السوري ويحرض أتباعه وأزلامه على أهلنا في طرابلس نقول له لا.. لا أنت ولا غيرك قادر على ذلك”.
ورأى ريفي أنه “عندما يأخذ مقاتليه لقتال أهلنا في القصير من دون تفويض من اللبنانيين يثبت “حزب الله” أن ليس لديه مهنية عسكرية، وهو يعرف كم ستكلفه هذه المعركة وتكلّف لبنان من خسائر”. داعياً إياه الى أن “يعيد حساباته ونمد يدنا الى بعضنا البعض ونسلم قرارنا للدولة وبهذه الطريقة نحمي أنفسنا وبلدنا وأهلنا من كل الطوائف والمناطق، أما أن يستمر في معركة ليست معركته وفي أرض ليست أرضه ولقضية ليست قضيته أو ليست قضية لبنان فإنه بذلك يقود لبنان الى حريق كبير”.