تتسارع الأحداث في المنطقة العربية بصورة منقطعة النظير، وتشخص كل الأنظار نحو سوريا. فمعارك القصير الشرسة وصلت حدودها القصوى حيث يحشد حزب الله المزيد من مقاتليه لسحق المدينة الاستراتيجية الموقع التي تسيطر عليها المعارضة السورية المسلحة. فالنظام الأسدي الذي يعتبر المدينة الشريان الرئيسي الذي يربط دمشق بحمص وصولاً إلى الساحل السوري قد وكل مهمة اقتحامها لحزب الله ومقاتلي الحرس الثوري الايراني. ويجري إخلاء جثث وجرحى حزب الله نحو الداخل اللبناني وسط وجوم واسى اللبنانيين حيال ما يجري في الجهة المتاخمة لحدود لبنان. وتنعكس هذه المعارك عميقاً في نفوس اللبنانيين حيث تزيد اوضاعهم الداخلية تأزماً واحتقاناً.
ففي لبنان الآن حكومتان: واحدة عاجزة عن الاستمرار وهي مستمرة رغماً عن استقالتها، وحكومة ثانية غير قادرة ان تتشكل. كما ان البرلمان بدوره يراوح مكانه غير قادر على إنتاج قانون جديد للانتخابات وقد أصبح في حكم التمديد “التقني” لولايته بانتظار ما ستؤول إليه الازمة السورية المستعصية الحل. وتعود الصدامات المسلحة في طرابلس الى سابق عهدها على خلفية أحداث القصير الدامية.
وفي المقلب الآخر تجتمع الدول أصدقاء الشعب السوري في عمان للتداول في ما يمكن ان تقدمه الى الشعب السوري الذي لم يعد يثق بتاتاً باجتماعاتها وببياناتها الختامية الخشبية اللسان. ذلك ان المعارضة السورية المسلحة لم تصلها حتى اللحظة أية أسلحة نوعية فعالة تقيها شر الطيران الحربي، ناهيك عن صواريخ “سكود” التي ما زالت تضرب المدن السورية الشمالية بلا هوادة، في الوقت الذي لم تجف بعد دماء شهداء بانياس والبيضا تلك الفظائع التي ألحقت العار وإلى الأبد بالنظام الأسدي الدموي البربري.
بالأمس فوجئنا بقطع الرئيس اوباما صمته المريب حيال تطور الأحداث الدامية في سوريا، والذي لم يفعل شيئاً قط حيال الدمار الهائل والمجازر المتلاحقة في سوريا، والذي تجاهل التقارير الموثقة حول استخدام النظام الأسدي للأسلحة الكيماوية بحق المدن الملتحقة بالثورة متصلاً بالرئيس اللبناني حول تورط حزب الله للدفاع في سوريا نفسها عن النظام الفاشي وحول التناقض الصارخ بين السياسة الحكومية الكاذبة بالادعاء بالنأي بالنفس وفي آن معاً التواطؤ الضمني مع هذا الحزب والسكوت عنه. فمن المراقبين العرب الى المراقبين الدوليين، ومن كوفي انان الى الاخضر الابراهيمي، ومن هيلاري كلينتون الى جون كيري رأينا السياسة الأميركية تقطع أشواطاً من محضها الثقة الى التراخي الى التغافل حول ما يجري، الى التذرع بتنوع المعارضة السورية وتشرذمها الى اتهامها بالتعاون مع تنظيم “النصرة”.. كل ذلك كان من أجل اطالة عمر النزف السوري المتواصل تحضيراً لجنيف-2 المزمع عقده لابرام الصفقة الاميركية الروسية لاقتسام مغانم مأساة العصر: المحرقة السورية المروعة.
لقد كانت كلها ذرائع كاذبة واهية تخفي في حقيقتها ليس عجزاً أميركياً كما يقرأه بعضهم فحسب بل تواطؤ بين عواصم القرار وعلى رأسها اميركا وروسيا حتى يتم تدمير سوريا عن بكرة أبيها وصولاً إلى تسوية تحفظ للشركات الأجنبية حصصها في المستقبل من اجل اعادة اعمار سوريا وذلك على حساب دماء الشعب السوري وعرقه وقوت ابنائه التعساء المنكوبين.
وتتساءل الشعوب العربية بحق حول المستقبل القاتم المشؤوم الذي يجري بخبث اعداده لسوريا في الخفاء، حول ما اذا كان مصير سوريا سيكون كالعراق حيث جرى تحويله الى محمية ايرانية، وحول مدى جدوى العقوبات الأميركية والأوروبية حيال سعي طهران المحموم لامتلاك السلاح النووي، بل حول تبادل التهديدات الصاخبة بين طهران وتل أبيب.
ان الهجوم العاتي المنظم بشتى وسائل الحرب وتدفق المال والسلاح والمقاتلين الذي يشنه النظام الظلامي المذهبي الايراني لتحقيق مشروع استعادة أمجاد الامبراطورية الفارسية والعامل ليل نهار على تقويض وزعزعة جميع الدول العربية، رافعاً شعارات تحرير كاذبة وملفقة لتحرير فلسطين، هو الخطر الداهم التوأم الحقيقي للمشروع الصهيوني الآخر الذي مازال ينهش في جسد فلسطين منذ 65 عاماً وحقوق شعبها المشرد في كل اصقاع المعمورة.
إنها الصورة الظلامية السوداء القاتمة التي اسقطت الأقنعة عن وجوه الألسنة الخشبية: انه اغتيال مبرمج موقع مدروس لكل القوميين والوطنيين العرب من الخلف يدوس على أجساد الشعبين العراقي والسوري وصولاً إلى لبنان المشلول الممزق.
ان اخطاراً جسيمة تهدد الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه بمشاريع سلفية متعددة الأسماء والشعارات لكن أهدافها واحدة يفهمها تماماً مَن يجيد القراءة والغوص في مراميها الحقيقية وأهدافها الشريرة. والثورة السورية السائرة بعناد وثبات، رغماً عن جحيم الحديد والنار والمذابح والفظائع التي يرتكبها النظام الأسدي الفاشي وحلفاؤه، لقادرة قادرة رغماً عن الخنوع والتواطؤ الدوليين وتقاسم المغانم المزمع عقده على إلحاق الهزيمة بالنظام الأسدي وحلفائه مهما طالت رحلة القهر والبطش والعذاب.
لطالما ظننا ان الخطر الداهم يأتينا على الدوام من الجنوب أي إسرائيل بكل أطماعها ومشاريعها الاقليمية، فإذا بنا الآن نواجه في آن معاً اخطاراً لا تقلّ هولاً فاغرة فاها قادمة من الشرق.
لقد تورط حزب الله حتى العظم بدماء الشعب السوري وجعل نفسه خدمة للنظام الأسدي متراساً وخندقاً ورأس حربة في خاصرة الشعب السوري، بل نصب نفسه بسلاحه وتلاعبه السياسي وصياً على الجمهورية اللبنانية ومستقبلها المشرع على أسوأ الاحتمالات.