رغم استبعادها حتى الساعة إمكان انزلاق لبنان الى خطر الفتنة الأمنية والمذهبية بنطاقها الواسع، تتملّك أوساط لبنانية واسعة الاطلاع مخاوف كبيرة من العجز السياسي المتعاظم عن احتواء الأزمة الداخلية بما يهدّد آخر الضوابط القائمة على المستوييْن السياسي والامني بالانهيار.
وتبدو دوافع هذه الخشية ومسبباتها مستندةً الى الدوران في حلقة مفرغة منذ ايام بحيث لم تنجح فيها كل المحاولات الحثيثة للتوصل الى تسوية ترتكز الى التمديد لمجلس النواب تحت وطأة الاشتراطات والفيتوات المتبادلة، ما حال حتى الآن دون تلمّس سيناريو واضح للمسلك الذي سيُعتمد في الخروج من الأزمة السياسية المفتوحة.
ولفتت الاوساط في هذا السياق لـ”الراي” الكويتية الى ان “مبررات التمديد لمجلس النواب بدأت تتمظهر على الارض وتغدو واقعية أكثر من أي وقت بحيث تشكل ذريعة مباشرة لتسويغ التمديد على اساس قانون الانتخاب النافذ “الستين”، وتضع ورقة مشروعة في أيدي الدافعين الى التمديد. وهذه الذريعة تتمثل في التوترات الأمنية الجوالة بين الحدود اللبنانية ـ السورية والتورط الواسع لـ”حزب الله” في الصراع السوري وانفجار جولة جديدة من القتال في طرابلس وانتقال التوتر الى صيدا وسواها من المناطق”.
واكدت الاوساط نفسها، ان “جميع القوى والمسؤولين باتوا على قناعة قاطعة بعدم امكان اجراء الانتخابات النيابية في مواعيدها المقررة، اي في 16 حزيران، وان التمديد اصبح امراً واقعاً مفروغاً منه، ناهيك عن استحالة التوصل الى مخرج بديل منه وسط انهيار كل المحاولات للتوصل الى قانون انتخاب توافقي والاستحالة السياسية لاجراء الانتخابات وفق قانون الستين رغم محاولات حثيثة برزت امس للضغط به على “14 آذار” للسير بتمديد لسنتين، وهو ما عبّر عنه تطوران:
العودة الى عقد جلسة لحكومة تصريف الاعمال في القصر الجمهوري الاثنين بعد إجازة هيئة الاستشارات في وزارة العدل لها تعيين هيئة الاشراف على الانتخابات وصرف النفقات الانتخابية، الامر الذي يزيل احدى العقبات القانونية امام اجراء الانتخابات وفق الستين والتي يبقى دونها ضرورة التئام البرلمان لإلغاء مواد فيه.
ما نُقل عن مرجع نيابي من انه في حال عدم حصول الانتخابات وعدم اتفاق الاطراف على التمديد فان البرلمان في هذه الحال وباختصار يتابع مهماته بحكم الاستمرارية”.
وذكرت اوساط بارزة في “14 آذار” لـ”الراي” ان “ورقتيْ رئيس مجلس النواب نبيه بري في الحضّ على عقد حكومة تصريف اعمال إعادة الروح الى قانون الستين والتلويح بان البرلمان يتابع عمله وإن من دون قانون تمديد هما في سياق إحكام الضغط على فريق “14 آذار” للسير بتمديد طويل الأمد، في ظل اصرار هذا الفريق على رفض تمديد يتجاوز ستة أشهر وإصرار قوى “8 آذار” ولا سيما “حزب الله” وبري على تمديد لسنتين، علماً ان قوى “14 آذار” ترفض العودة الى قانون الستين النافذ وهو ما عبّرت عنه صراحة غالبية مكوناتها.
وعلمت “الراي” ان “فريق “14 آذار”، الذي شارك مع غالبية مكونات “8 آذار” في هجمة تقديم الترشيحات للانتخابات على اساس الستين في وزارة الداخلية قبل نفاذ المهلة الاثنين، حرصاً على تفادي اي مكمن او مفاجأة، يرفض ان يعطي إجازة مرور للتمديد المديد وتسعى الى جعل العماد ميشال عون، خليف الثنائي الشيعي، هو الذي يؤمن النصاب لمثل هذا التمديد”.
وكان بارزاً في سياق هذا الملف ان الفريق الشيعي وجد نفسه أمام لحظة إحراج كبيرة، اذ ان الثنائي “حزب الله” وحركة “امل” برغبتهما في التمديد لسنتين انما يريدان المحافظة على مهابة رئاسة البرلمان من جهة، ومراعاة حسابات اقليمية وداخلية من جهة اخرى. الامر الذي عرّض هذا الفريق للمقايضات والمساومات والاشتراطات من الاطراف الآخرين بمن فيهم بعض حلفائه، ولا سيما العماد عون، على خلفية اقتناص هؤلاء الفرصة لتصفية حسابات سياسية او لاقتناص فرصة تتعلق بطموحات سياسية وسط انطباع بان اعطاء عون اشارات الى عزمه على السير جدياً في انتخابات وفق الستين هو في جانب منه ضغط على حلفائه لبلوغ تمديد قصير الامد مع ضمانات بعدم وجود اي منحى للتمديد لرئيس الجمهورية بعد سنة في حال تجدّد التمديد للبرلمان بعد “اول جولة”.
وفي مجمل المشهد، يبرز الفريق الشيعي بصورة متناقضة اذ يخوض “حزب الله” معركة كبيرة وشديدة المحاذير في سوريا غير آبه بكل التداعيات التي يثيرها تورّطه على الوضع الداخلي، وفي المقابل يجد رئيس مجلس النواب نفسه محاصَراً بمعارك صغيرة في الداخل تجعله يقترب من خطر انحلال شرعية البرلمان وانتهائها ومعها رئاسته من دون التوافق على التمديد لمجلس النواب.