Site icon Lebanese Forces Official Website

فتنة المسيحيّين وحروبهم

القول بأنّ الخلاف بين المسيحيّين اليوم ليس سوى امتداد أو تكرار للصراع  المزمن والمملّ بين ميشال عون وسمير جعجع، فيه الكثير من التبسيط والإختزال ، بل يذهب إلى اختصار الأزمة بمظهرها ووجوهها، بينما هي الآن أعمق من ذلك وأدهى ، تتخطّى الشكل إلى الأساس.

فمنذ ربع قرن ، إذا بدأنا بتجربة المواجهة الأولى بين الإثنيْن في أيّار 1988 ، لم يكن لصراعهما بعد إستراتيجي أو سبب إقليمي أو اصطفاف في محوريْن متناقضيْن ، بل تنافس داخلي على إثبات الحضور وعلى الواجهة القياديّة ، وجموح عون إلى السلطة وتقديمه عروضاً والتزامات لبلوغها .

لم يكن عون ، في الظاهر على الأقلّ ، خارج مفهوم المقاومة اللبنانيّة لاحتلال الجيش السوري ، فبادر إلى شنّ ” حرب التحرير” ( ولو مرتجلة وكارثيّة ) ، بل ذهب أبعد ، في رفعه ذات صبيحة ، من كرسي الحكم في بعبدا ، كتيّب ” مبادىء القوّات ” كأساس لموقفه وبرنامج  حكمه .

لا نناقش هنا في مدى صدقيّة عون آنذاك ، لأنّ مرور الزمن كان كفيلاً بكشف ازدواجيّته مع نظام دمشق  : عداوة من فوق، ارتباط من تحت . خلاف متحرّك ، إتفاق ثابت . إلى أن استقرّ أخيراً ، منذ 2005 ، في حضن ” 8 آذار ” والنظام  ومحور طهران –  دمشق – الضاحية ، ويمكن إضافة الحلقة الرابعة الآن ، نظام المالكي في بغداد .

بغداد آنذاك، بقيادة صدّام حسين، كانت مربط خيل عون و” القوّات” معاً. وياسر عرفات كان الصديق المشترك ، وجامعة الدول العربيّة والغرب مظلّة واسعة ، والعدوّ الوحيد نظام الأسد!

إذاً ، لم يكن صراع عون مع جعجع، علناً على الأقلّ ، حول مفهوم لبنان وسيادته واستقلاله وتحديد أصدقائه وأعدائه ، بل يمكن القول إنّه كان صراعاً داخليّاً على النفوذ والسلطة . وقد ظلّ خطاب ” القوّات ” إلى الأمس غير البعيد يعتبر أنّ الأهداف الكبرى والإستراتيجيّة هي نفسها ، وكنّا ننبّه إلى الخطأ في هذا التقدير ، لأنّ مقاربة ربع قرن ، ورسم خيط السياسة والإلتزامات ونتائجها العمليّة ، يُثبتان أنّ الإرتباط الإستراتيجي لعون قديم ومستقرّ برغم بعض الفورات و ” النتعات ” المعاكسة . وذلك على معادلة أنّ الإستثناء يثبّت القاعدة .

يتبيّن من هذه المراجعة السريعة ، أنّ صراع عون مع جعجع و” القوّات ” كان ، منذ أساسه ، استراتيجيّاً في عمقه ، بلديّاً في مظهره . وكانت ” القوّات ” طيّبة النيّة وتميل إلى إدراج حروب عون عليها ضمن السياق السياسي المحلّي ، برغم كلّ التحذيرات والكتابات والنقاشات . فسلامة النيّات تجافي الواقع أحياناً ، وطالما عبّدت الطريق إلى الجحيم !

اليوم ، لم يعُد هناك مجال للتخمين وطيبة القلوب ، فما كان يختفي تحت ستار الخلاف السياسي الداخلي وشعارات ” حقوق المسيحيّين ” وال ” 64 نائباً ” ومكافحة الفساد و” الإصلاح والتغيير “… انكشف تورّطاً في مشروع خطير أبعد من السلطة والمال ، وليست الحرب المستجدّة على ” القوّات ” سوى ترجمة له .

هذا المشروع  يسترهن نصف المسيحيّين ، ويُقحمهم في أتون الحرب السوريّة ، إلى جانب العلويّين والشيعة ضدّ السنّة ، تحت وهم قيام قوس كبير للأقليّات يشمل إيران والعراق وسوريّا ولبنان .

ويغيب عن بال نصف المسيحيّين أنّهم سيتحوّلون سريعاً إلى أقليّة مدهوسة تحت عجلات الأقليّة العظمى التي تُصبح ساحقة . فالحقّ للقوّة في هذا المشرق البائس . وليتّعظوا من تجربة حلف مسيحيّي لبنان مع الأقليّة العلويّة في ال 76 ، وما جرى لهم من إضعاف وتذويب في السياسة والأمن والإقتصاد والحضور والدور .

ومن يسمع عون وورثته بأيّ كلام تحريضي وتخويفي وتجديفي يهاجمون السنّة بحجّة ” التكفيريّين ”       و” النصرة ” ، يدرك عمق التورّط وخطر الزجّ بالمسيحيّين في حرب المراقد والأئمّة والأولياء والآلهة .

وأسوأ ما يُمكن أن يسمعه مسيحي عاقل القول الأشدّ ذميّةً ” للوريث ” بأنّ على المسيحيّين الإختيار بين     ” حزب الله ” و” النصرة ” !.. سلام على من له بقيّة عقل وحكمة !

ففي غمرة حروب الإلغاء بين الطوائف والمذاهب ، هناك من يُصرّ على إقحام المسيحيّين فيها ، غير عابىء بمصيرهم مع أهل بيئتهم الواسعة . فبيئتهم ليست فقط أقليّات ، بل أكثريّة راجحة ، حتّى داخل القوس الذي يحلم به بعضهم ، على أشلاء مئات الآلاف وتشرّد الملايين .

ومن كان دأبه إلغاء خصومه في الداخل المسيحي ، لا يتورّع عن ركوب حروب إلغاء الآخرين . إنّها متعة العنف والغلبة ، والإنسان رقم في القُصير وزينب ، كما كان دائماً رقماً في ” الشعب العظيم ” بين حربَيْ التحرير والإلغاء ، ومجرّد حساب في حروب الإنتخاب .

مَنْ يُنقذ المسيحيّين من فتنتهم وحروبهم المتجدّدة ؟ ومن يضع حدّاً لهوس  محترفيّ معارك العَبَث ؟

” ما كانتِ الحسناءُ ترفعَ ستْرَها …….. لو أنّ في هذي الجموعِ رجالا ” !!!

Exit mobile version