لم يعد صعباً توقّع بعض ما سيُقال سياسياً قبل أن يُقال في لبنان. مثلما لم يعد صعباً توقع الانتقال التدريجي من وضع سيئ إلى وضع أسوأ طالما أنّ الاصطفاف تمّ واكتمل في الداخل اللبناني كما في الخارج الإقليمي، ومن دون أن تظهر في مرمى العين، أي احتمالات معاكسة.
نجح “حزب الله” محلياً، في توتير الدنيا وما فيها، وفي إنضاج حالات استنفارية مقابلة بعد أن يئس أصحابها من الاسترخاء اللذيذ تحت خيمة الوهم القائل إنّ الفتنة تغلي لكنها لا تنفجر! وأنّ منطق الأمور الناشف والبارد يقول بأنّها لن تنفجر لأنّ لا مصلحة لأحد فيها! هكذا ببساطة.
والنجاح الفرعي لهذا الحزب محلياً مربوط بأبعاده الأصلية الخارجية حُكماً. أي أنّ الفتنة بالنسبة إلى الإيرانيين والأسديين كانت غاية مدروسة ومحسوبة سعوا إليها بدأب ومراس ونجحوا في إكمال شروطها، كما نجحوا هم قبل غيرهم، في إظهار حقيقتها التامّة وإسقاط التمويه الذي كان يُستخدم سابقاً لتغليفها.. أي أنّ شعار “المقاومة والممانعة” احترق في سوريا والعراق بالممارسة السياسية والميدانية، وهو محترق أصلاً في إيران من خلال النصّ الدستوري والممارسة الدينية، قبل أن يكتمل احتراقه تماماً في لبنان من خلال ذهاب “حزب الله” إلى سوريا للدفاع عن نظامها تحت ذرائع فئوية مذهبية لا تحتمل التأويل المقاوم!
توّجت الكارثة البلائية في القصير ذلك الانكشاف الممتد منذ بداية الثورة السورية. بحيث أنّ النصّ المذهبي أسقط المنطق المقاوم وأحاله هلوسة لم يعد أحد يفهم منها شيئاً. أي بدلاً من أن يحتاط أصحاب المقاومة في لبنان من احتمال خسارة سورية من خلال الوقوف مع طاغية آفل حُكماً، فعلوا العكس: وقفوا مع الآفل والظالم وحاربوا المقيم والمظلوم.. وقفوا ضدّ أهل الثورة بداية ثمّ انخرطوا في المذبحة مباشرة فخسروا وسيخسرون الممر والشعب السوريين حُكماً وجدلاً!
.. حتى بالمعنى الذي يلغو بمنطقه أصحاب تلك “المقاومة” أخطأوا الحساب وأوغلوا في الخطأ.. ولم يعد باستطاعتهم مهما علا بيانهم وارتفعت وتيرة خطابهم، أن يتّهموا الآخرين بقلّة الفهم! أو ضعف السمع أو قِصر النظر: حتى “المصلحة” المباشرة لـ”المقاومة” فطّسوها تحت ثقل الانتماء المذهبي الموصول بحسابات إيران وطموحاتها ومشاريعها، ثم تحت ثقل قراءاتهم السياسية القاصرة والمصابة بحَوَل واضح! بحيث تبيّن ويتبيّن أنّ “المقاومة” أداة وليست مساراً تحريرياً! والهدف الفعلي هو السلطة والنفوذ والمشاريع المذهبية الفضفاضة وليس مقارعة ونزال ومقاتلة الإسرائيليين! وإلاّ لما فعلوا ما فعلوه ويفعلونه في سوريا! ولما فعلوا ما فعلوه ويفعلونه سابقاً وراهناً في لبنان!
وحديث المصلحة هذا، فيه أصلاً وفصلاً، مثالب الربح والخسارة بالمعنى التجاري لكن ليس بالأرقام والسلع إنّما بالدماء والأرواح البشرية! وهذه قصّة كان يُفترض بمَن يدّعي الاستضعاف والحرمان ورفض الظلم والجور أن يكتبها بنفسه (وخصوصاً في سوريا) وليس أن يطمرها تحت تراب مصالحه وأنانياته وأعراضه الغريبة!
.. لذلك لم يعد الرهان في مكانه على احتمال سماع خطاب فيه شيء من المنطق السليم! ويصحّ تالياً، إبلاغ مَن ينتظر ذلك في شأن القصير والحرب السورية، ان انتظاره خائب سلفاً.. وكثيرون كثيرون سبق ووقفوا قبله على ذلك الرصيف في لبنان، وانتظروا على مدى السنوات السبع الماضيات، مرّة تلو مرّة، أن يصل قطار المنطق ذاك إلى محطته “الطبيعية”، قبل أن يكتشفوا أنّه انعطب في مطبّات الأداء السياسي والميداني الخطأ، ثم تدهور أخيراً في وادي الفتن.. ولا يزال فيها! عبث!