لم يِدُرْ حزبُ ولاية الفقيه الى الجولان، بعدما ازفّت الينا بعض المنابر “الصحافية”، بكثير من “الصدقية” و”المقاومة” هذا الحدث الافتراضي الجلل. لم يَِدُرِ الحزب الميليشيوي لمحاربة اسرائيل هناك وتحرير الجولان. لان الحزب لا يدور بل “يُدارُ” شطرَ حلب، ودمشق، والقُصير، وأدير معه بمعجزةٍ “فقهية” مقام السيدة زينب من مكانه.. الى “القصير”. صار مقام السيدة زينب في القصير!… ملطخاً بدماء “المجاهدين” المتساقطين لحماية هذا المكان، الذي ربما، صار من ممتلكات ومن ارث النظام الفارسي دام ظله الشريف! ومن فرط الايمان “الفادح”، كان لا بد ان يستنزف حزبُ “حروب الآخرين” دماءَ الشباب الشيعي الذين رُموا في تلك الجحيم، دفاعاً عن قضية ليست قضيتهم، لا قضية بلادهم (اذا باتوا لا يزالون في المقلب اللبناني)، بل جزء من المخطط الصهيوني، والمنتوج بين طهران… والنظام، لوأد ثورة الشعب السوري، وإعادة ربط طريق “الهلال” المثلث، وربما المُربَّع، اذا اضيف اليه “عراق” المالكين، صنيعة “الملالي”، ومقوض وحدة هذا البلد العربي العريق. لكن، ما اَثلَج قلوبنا، وحرك عقولنا، اننا تلقينا من بعض الوسائل الاعلامية، لاسيما “الممانعة” من رديفها الاسرئيلي، ان النظام، وفي هذه اللحظة التي يدمر فيها بلاده، ويرتكب المجازر، يستفيق من غفلته الممانعة، ويدعي تدمير دبابة اسرائيلية اخترقت خط الهدنة في الجولان. رائع!.
وهذا ما “عَمْلَقَته” “صحف”، والمخابرات الاقليمية، في مانشيتاتها! رائع! وكأن أقلام هؤلاء، وكثيرها دم، تقول للمشككين في ممانعة نظام البعث، ورديفه نظام الملالي، انهم اخطأوا طيلة 40 عاماً… في “اعتقادهم” تحرير الجولان. وكأنهم يقولون لهؤلاء المشككين “خسئتم، فهذا النظام ممانع! والف ممانع!.
اما حزب الله، فلم نلمح له مقاتلاً في الأرض السورية المحتلة أي الجولان ولا سمعنا او قرأنا خبراً عن عملية “مفرقعات” او رصاصة طائشة هناك. فالشباب اللبناني الشيعي المقاوم، مؤجلٌ جهادُهم لتحرير الاراضي من الاحتلال الصهيوني، لأنهم ومن ضمن “اولوياتهم” الاستراتيجية الفارسية، مشغولون بتحرير الأرض السورية من سكانها، وتدمير ما تبقى في القصير، واقتحام هذه المنطقة التي “يحتلها” اهلها السوريون. تحرير الارض السورية من السوريين! وإهراق دماء السوريين المنتفضين بدلاً من تضييع وقتهم بإحراق الدم العدو المحتل… وقد عزّز هذا الايمان تصريح وزير خارجية “لبنان”… بتشريع العدوان الالهي على سوريا. وللتذكير فإن الوزير “منصور بن منصور”! هو ايضاً منصور الله في جهاده ضد المظلومين، والمسفوكة دماؤهم على يد حزب الغدر والقتل، والاغتيال، والفساد وها هو النظام، عبر عملائه في جبل محسن، يفتعل معركة، يقصف فيها مدينة طرابلس الأبية. فتدمير طرابلس يساوي تدمير دبابة اسرائيلية. ومقابل سقوط 15 قتيلاً او اكثر في الفيحاء فلا اصابات في صفوف العدو المحتل في الجولان. لعب اولاد! وكأن الدبابة كانت فارغة. او خارج الخدمة او خردة. وكأن الدماء الطرابلسية كانت “مليئة” لتفرغ في شوارع المدينة! رائع! فيا لهذه المعادلة “الممانعة” التي تذكرنا بمثيلاتها على امتداد نصف قرن من احتلال النظام السوري لبنان ومن حكمه سوريا: مقابل تدمير دبابة بلا اصابات، قتل قرابة 200 الف سوري ولبناني وفلسطيني وعراقي. فيا لهذه المعادلة. لم يصب هذا النظام أي جندي اسرائيلي على امتداد نصف قرن.. لكنه استباح دماء… مئات الوف العرب! وتقولون انه ليس رأس حربة الممانعة! فبئس مصيركم ايها المشككون عملاء الصهاينة واميركا… واوروبا.. فطرابلس مقابل دبابة للعدو! والقصير مقابل الجولان! وحلب مقابل مزارع شبعا! وحمص مقابل الجزر العربية الثلاث التي تحتلها ايران. وقصف عكار والهرمل مقابل قصف دير الزور! ومقابل “محاربة” الحزب الالهي السوريين جنباً الى جنب مع الحرس الثوري لتختلط الدماء اللبنانية بالدماء السورية. ونتذكر كيف ساند هذا الحزب “ايرانَه” (العلمانية) ضد العراق!. وكيف تواطأ على الجزر العربية الاماراتية. وهذا هو رد الجميل: الجمهورية الفارسية تُعينُه على الشعب السوري. حلف مقدس مُعمّد بالدم بين حُكام طهران وحكام دمشق… ضد العرب والعروبة وضد فلسطين. وهذا ما حدث في العراق ايضاً. مقابل حلف المالكي ايران، حلف آخر لا يقل مذهبية، عن حلف سوري ايراني وملحقه وذيله حزب الله! ومع هذا يدعي “أرباب” الحزب الالهي (الغارقون في الفساد والاتجار بالمخدرات، وتزوير الادوية، وتهريب البضائع…) انهم يتصدون لكل نوع من الفتنة السنية الشيعية! وكأن انخرط حزب “حروب الآخرين”، والحزب المرتزقة، في الحرب الدائرة بين النظام والثوار ليس تعبيراً عنصرياً، افتئاتياً، عن هذه التبعية المذهبية، واستراتيجياتها التي تكمل المخطط الصهيوني بتحويل البلاد العربية الى مجموعة دويلات فئوية إزاء وحدة الاحتلال على الاراضي الفلسطينية وأطماعه التوسعية.
ونظن ان كل ذلك، أي نشر هذه المناخات الطائفية والاتنية هي ضمن ما تسعى اليه اسرائيل. لأنه تبرير صارخ لترسيخ الدولة العبرية العنصرية والدينية. وكأن التركيز على “أبلسة” الاكثرية السنية في المنطقة العربية (وغير العربية)، وتشويه صورتها الحضارية التاريخية، بمسخها وتقديمها وكأنها لا تختلف عن القاعدة… وعن الارهابيين، يصب في هذا الاتجاه. بل وتحويل الصراع في هذه المنطقة وكأنه مجرد صراع ديني، يفترض انتفاء كل صراع فكري وسياسي ومدني. فاسرائيل، في هذا المجال، هي بؤرة هذه الظواهر المتفاقمة، لأنها تفسّر وجودها، وتعززه مقابل كل هذا الخراب اللاعقلاني، والجنون، والكراهية. فكأنما كانت مهمة ايران الاولى في لبنان، والعراق، واليمن، والبحرين، هي نقل الفيروس الصهيوني الى جسم الأمة العربية ونهش خلاياها، وافتراسها من الداخل وصولاً الى تاريخها كله الذي بات يُختزل بالصراع الشيعي السني على امتداد اكثر من الف عام! بل وكأن لا حضارة عربية ولا نهضة عربية ولا إبداع عربياً، ولا انجازات عربية… بل مجرد حادثة سياسية تحولت تاريخياً كاملاً، وانتهاباً كاملاً، وانقساماً ابدياً! اكثر: محاولة ايران (ووراءها اسرائيل) مذهبَة الحضارة العربية نفسها، وتقسيمها تقسيماً فئوياً: من الشعر، الى الفقه، فالى التراث، فالى المعمارية، فالى المساجد، فالى الفكر، والفلسفة، والحروب، والايديولوجيات، بين عناوين أثيرية. هنا “الثابت”، وهناك المتحول، هنا “الحقائق” وهناك الشر، هنا “الثورة” وهناك الجمود، هنا “الجينَات” الخلاقة، وهناك “الجينات” الفتاكة، هنا “الباطل” وهناك “الحق”… هذا الواقع التاريخي “المتوقف” على “اطلاله” ها هي ايران (ووراءها اسرائيل)، تحركه، تُقلّب في الجروح القديمة، وترفعها كمفتتحات جديدة لاستعادة الصراع، او لنبش الذرائع كممرات لاجتياح الأمة العربية، ونفيها، ونفي عمقها التاريخي، وجذورها الضاربة في ارضها، وامتداداتها الجغرافية. وهنا نستحضر القشرة “الشيعية” للنظام الايراني، التي تخفي وراءَها “اصالتهتا” الفارسية. بل اكثر: تحويل الشيعة العرب الى بؤر فارسية باسم “شيعية” خاصة تختلف تماماً عن التكاوين العربية والوطنية والدينية للشيعة العرب، أي استئصال الجذور الشيعية العربية وزرعها في المياه الفارسية، بخطابها الفقهي، والديني، والبيئي، والاجتماعي، والتاريخي، وحتى في المجالات الطقوسية والأعياد والتقاليد. إنه اقتلاع كامل يريد به بنو فارس ان يحولوا الشيعة اللبنانيين والعرب الى اجسام غريبة، مضادة، مواجهة لانتماءاتهم التاريخية. وهنا بالذات دور حزب الله (اللبناني!)، وهذا ما يحاول تحقيقه منذ انشائه في ايران بقرار ايراني!
والغريب ان هذا “الاغتراب” المزروع، ما عاد مقتصراً على إثارة الكراهية بين السنة والشيعة وإنما طاول ايضاً الجوانب العرقية، ليُغذّي مشاعر “غريبة” من كراهية للعرب أنفسهم. فالعروبة بالنسبة الى ايران لعنة. وقد حاولت نقل هذه اللعنة، بتمويه “مذهبي” الى الشيعة اللبنانيين والعرب. (هذا ما فعلته بعض الاحزاب المسيحية في الستينات والسبعينات بفصل المسيحيين عن ارومتهم العربية وعزلهم عن محيطهم الحيوي والانساني، وكأنه مُحيط موبوء! وكان لاسرائيل الدور الاساسي في إشاعة مثل هذه الاجواء). اسرائيل هنا. وايران هناك: والادوار تتكامل بينهما بمباركة اميركية… وصولاً الى حكواتي البيت الأبيض الرئيس أوباما! أي جعل المذهبية عنصرية إثنية بين العرب أنفسهم! أي إحلال العناوين الصهيونية الملخصة “بمعاداة السامية” بعناوين مماثلة “معاداة العرب” أي إستعادة اللغة والوسائل الاستعمارية. ففي القرون الوسطى نظمت حملات صليبية اوروبية “للدفاع” عن القدس (المسيحية)، واليوم هناك حملة (صليبية) فارسية (من ادواتها حزب الخراب) للدفاع عن المقدسات الشيعية! فكأن التاريخ يستعيد نفسه بالشعارات نفسها، والاطماع المموهة نفسها!
وكأن التاريخ يتكرر. حملة صليبية (ايرانية) على سوريا للدفاع عن “المقامات” الدينية ايضاً! فيا لهذا التبرير الاستعماري. بل ويذكرنا ذلك بدخول الجيش السوري الى لبنان بذريعة الدفاع عن “المسيحيين” عندما كانت الاحزاب المسيحية حليفة النظام، ومشاركة كواجهة في اسقاط تل الزعتر. ونتذكر اسرائيل عندما اجتاحت لبنان… واعتبر بعض الاحزاب المسيحية ايضاً انها جاءت لنصرة هؤلاء من “طغيان” منظمة التحرير، حتى وصل الأمر ببعضهم الى اعتبار الجيش الصهيوني “جيش الخلاص”. وهذا ما حدث عندما قررت ايران الملالي دعم الطائفة الشيعية والدفاع عن حقوقها “المُهدّدة” في لبنان، “كجواز سفر” للدخول كطرف استعماري الى البلد.
هذه السيناريوات التي تعود الى أزمنة الاستعمار منذ القرنين الثامن والتاسع عشر، ها هي في تعبيرها الحالي متجلية بغزو حزب الله والحرس الثوري بعض الاراضي السورية لانقاذ “النظام” المذهبي هناك! (أي استعادة المسألة الشرقية بأدوار مختلفة!). والنتيجة العينية ان ايران الفارسية باتت وصية على بلدين: لبنان وسوريا… وصولاً الى العراق. والنتيجة انها تشارك بقتل الشعب السوري مع ربيبها الحزب الفارسي، وتحتل قرى في “قلب العروبة النابض”. فسوريا، اليوم، ولبنان جزء من مشروع توسعي لنظام الملالي. بعنوان “ايران الكبرى”… تيمناً بمشروع الدولة العبرية التوراتي “اسرائيل الكبرى”. لكن المشروعين، كما يبدو، لا يتناقضان أقله حالياً، بل يتكاملان في كماشة اسرائيلية- ايرانية للسيطرة على المنطقة ونهب خيراتها والهيمنة عليها!
المشروع الاسرائيلي سقط. وصارت اسرائيل بعد الربيع العربي في “عين العاصفة”، وسيسقط المشروع الايراني بحذافيره وأدواته وعملائه ومرتزقته ولصوصه، بل ومشاركة هذه الأخيرة بالحرب على الشعب السوري من علامات السقوط لا النهوض” لأنه اذا سقط هذا النظام وسيسقط بأيدي الثوار… فلن يطول حكم المرشدين كثيراً في إيران، وسيمتد الأمر الى العراق (انشاء الله) لخلع هذا العميل المذهبي المالكي!.
انهم في جحيم القصير. فليصطلوا بنارها! وها هم في مستنقع الدماء.. فليغرقوا فليأسنوا هناك، ولتخط بلدة القصير بطولاتها لطرد هؤلاء القتلة، والغزاة…
وأخيراً: فلينسحب الحزب الفارسي من الأراضي العربية السورية… قبل فوات أوانه، هذا إذا لم يكن قد فات ذلك الأوان فعلاً!