#adsense

إدمان على الموت

حجم الخط

فيما تبكي الجبال من فتاوى أدمنت قواميسها على عبارات الجهاد والجنّة والنّار، وذلك لفرض عقد حماية قسري طرفاه لبنان والبندقيّة، وينطلق من ذريعة أصبحت جزءاً من الترسانة الكلاسيكيّة لدى بعضهم، مفادها بأنّ على الدولة أن تُجيّر له مهمّة التصدّي، لأنّها عاجزة عن ردّ عدوان بقواها المتوفّرة، تبرز معطيات وضعيّة جديدة هي إدراج المشاركة في حرب سوريّا بنداً أساسيّاً في الأجندة اللبنانيّة، بحجّة الدّفاع عن الممانعة من المتراس الخلفيّ.

مروحة هذا الكلام تطوف العقول، أو ما تبقّى منها، لأنّه صادرٌ عمّن تخيّل أنّه  صار معصوماً، أو أسير اقتناع بأنّه هو وحده ظلّ الحقيقة. هذه الحقيقة التي تمّ الإلتفاف حول مقاصدها، وتمّ تلويث الكثير من معانيها، وتعدّد المُمتَطون صهوتها بالرغم منها. الحقيقة أنّ مَن يموت في سوريا، من غير السوريّين، يتابع عبر الشّاشة حكاية موته المَحبوكة بعناية، مخَدَّراً من دون أيّ تشكّك أو صمت، فكأنّه يتعاطف مع موته وينحاز إليه. هذا المظلوم المُتَصيَّد حيّاً، كتبوا عليه أن يساهم بموته في إنجاب جيل يلفط أنفاسه عبر صندوق دنيا المُقحِمين بأنفسهم في حوادث سوريّا، ويكثر من تصديق رواياتهم البرّاقة، من دون أن يجد ما يجري واقعاً دراميّاً مأسويّاً، لأنّه يراه بعينين مُختلفتين، هما غير عينيه. والمشكلة أنّه يصدّق ما يتابع لأنّهم جعلوا ما يتابع يُريحه، لينالوا بذلك صكّ براءة منه كضحيّة ومن أوجاع ذويه.

إنّ مُصطلح الإدمان على الموت مُشتعل، يشهد حِراكاً غير قليل، يتمدّد مُعلَّباً يغسل الأفكار، يقلب ميزان معادلة الحياة والموت فتغدو المشاهد المُركّبة على خِلاف واقعها، ويتسلّط الضوء بعيداً عن ساحة الحدث، على إستراتيجيّة ضروريّة للمشروع القُدسيّ الذي يتغلغل في الوجدان من دون أيّ عائق. ومع فتح حساب جارٍ للدم المسفوك، والغرق في دوّامة النار القاتلة، بات على مُتلقّي الموت المُعجّل، أن يكونوا هم أيضاً في عجلة من أمرهم ليصبحوا “أبطالاً”.

لماذا يُرفَض تحويل الإتّحاد على الموت إتّحاداً على الحياة، خصوصاً وأنّ ما نحيا من أجله هو أثمن ممّا لاجله نموت؟ إنّ العمل على شرعنة الموت بهدف التّقاطر عليه، إيذانٌ بعبور الوطن المسلوب الى استشهاد رخيص أو مبادرة الى تهوّر على جرعات، فكيف نصدّق بعد ذلك أنّ الدم المهدور في غير أرضنا يرسم حقاً كرامتها، أو كيف يُطلب منّا الاّ نقلق من نتائج  تأجيج العنف والجرّ المجّانيّ للصّراع بين أهلنا؟ وكيف لا نجد في قبر أيّ قتيل من عندنا في سوريّا، قبراً للوطن بسيادته وقراره؟ وكيف لا يصبح  هذا الوطن المُجتاح من ثقافة الموت،  فصلاً في “كتاب الموتى”؟

إنّ الإدمان على الموت ليس أكثر من انهيار مستمرّ للذات وهزيمة للوعي المعرفيّ لمعنى الحياة، وهو سلوك للتثبيت المتعمّد لثقافة الموت، ما يقهر القِيم التي تقدّر الإنسان، ويعمل على تصفية سفّاحة لحرمات النّفوس. أما منح الجنّة جائزة للشهادة لغير الدّين، فهو تدخّل في علم الله وتحويرٌ لمفهوم الشهادة المقدّس وتجييرٌ مَكسبيّ لأهداف مشبوهة. فيا أولي الألباب لا تجعلوا حياتنا تعشق الأكفان.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل