#adsense

“تسألين عن سقمي؟… صحتي هي العجب”!

حجم الخط

عندما تلجأ دولة، مهما كانت مبرراتها، الى تمديد الأزمات التي تواجهها لأنها تعجز عن ايجاد الحلول لها أو لمجرد أنها لا تستطيع تأكيد وجودها ـ أي الدولة ـ فلا مفر من القول إنها تعلن بذلك للعالم، فضلاً عن شعبها والرأي العام لديها، أنها دولة فاشلة بكل ما تعنيه هذه الكلمة.

هذه الحال تنطبق على الدولة اللبنانية أكثر من أي شيء آخر. فهذه الدولة لا تقوم الآن الا بتمديد أزماتها، في الوقت الذي يعرف فيه جميع من فيها، وخصوصاً من هم على رأس مؤسساتها وأجهزتها التشريعية والتنفيذية والأمنية والقضائية، أن تمديد الأزمات لهذا السبب وبهذا الأسلوب (الهروب الى الأمام) يزيدها تعقيداً، واذا خطورة على حاضر البلد ومستقبله ووحدته الوطنية من جهة، وينتج المزيد منها بل مما هو أسوأ وأفدح وأخطر من جهة ثانية. والدولة، بذلك، انما تعمق أزمتها وأزمة البلد كله على طريق استحالة الحل في النهاية، بينما يظن بعض القائمين عليها أن من شأن التأجيل أن يفعل العكس فيفتح الباب أمام تسوية من نوع ما.

هكذا يجد الشعب اللبناني نفسه الآن أمام الوقائع السود التالية:

ـ تعجز الدولة عن إقرار قانون جديد للانتخاب، لأسباب يعرفها القاصي والداني في لبنان وتتعلق بتوزيع الحصص بين أطراف طبقته السياسية، فتلجأ كما تقول الى “أهون الشرور”، أي الى تمديد ولاية المجلس النيابي ربما لشهور أو حتى سنوات، بدعوى أن عدم إجراء الانتخابات أو تأجيلها الى موعد آخر يبقى أقل ضرراً من إجرائها على أساس قانون الستين… هذا القانون الذي قيل فيه، مدحاً واطراء، عندما أقر ما لا يتسع المجال لايراده، ليعود القائلون أنفسهم الى استنساخ ما قاله مالك في الخمرة عن مساوئ هذا القانون ومثالبه ومنافاته لسلامة التمثيل النيابي.

ليس هذا فحسب، بل تعجز الدولة عن التزام تطبيق نصوص هذا القانون لجهة تشكيل اللجنة المشرفة على الانتخابات واعتماد المال اللازم لاجرائها في موعدها، ثم تعود كما هو مقرر في جلسة مجلس الوزراء غداً الى تشكيل هذه اللجنة وصرف تلك الأموال. كما أنها تحدد المهل المنصوص عليها في القانون، ترشيحاً وانسحاباً، لتقرر لاحقاً تعليق هذه المهل، ثم لتعود الى تحديدها مجدداً، في الوقت الذي تملأ فيه التسريبات أجواء البلد عن آخره: رئيس مجلس النواب لا يمانع في تمديد ولاية المجلس لسنتين، ورئيسا الجمهورية والحكومة يرفضان ذلك. المجلس يدخل في عطلة اذا لم تفتح دورة استثنائية قبل نهاية الشهر الحالي، وفتح الدورة مسؤولية الحكومة، والحكومة حكومتان: إحداهما لم تشكل، والثانية في مرحلة تصريف الأعمال. وعلى افتراض فتح الدورة، فليس لحكومة تصريف الأعمال أن تحضر جلسات المجلس بما يعني استحالة ممارسة عمله في التشريع بحسب الدستور… وهكذا الى آخر حكاية البيضة والدجاجة!

ـ على النسق نفسه، وللأسباب نفسها، يجري الحديث الآن عن التمديد لقائد الجيش كما حدث بالنسبة الى رئيس جهاز المخابرات، وكما كان يفترض بالنسبة الى المدير العام لقوى الأمن الداخلي (الذي لم يحدث لدواع شخصية معروفة!) فاستعيض عنه بتعيين مدير بالوكالة سيحال على التقاعد خلال أسابيع لتعود المشكلة الى مربعها الأول. كذلك هو الحال بالنسبة الى المجلس العسكري، الذي بدأ الحديث عن التمديد له منذ فترة، وحتى بالنسبة الى بعض المواقع الادارية والقضائية والديبلوماسية التي سيحال شاغلوها على التقاعد في الشهور المقبلة، كما بالنسبة الى العديد من الاستحقاقات المالية والاقتصادية ـ الاجتماعية مثل سلسلة الرتب والرواتب الموعودة أو حل مشكلة الكهرباء أو تمويل المحكمة الدولية أو غيرها… مما يطرح السؤال عما اذا كانت الدولة العلية ستلجأ الى “التمديد” لها بدورها؟

ـ على مستوى آخر، وبالرغم من الكلام الصريح الذي يقوله رئيس الجمهورية عن تدخل “حزب الله” في الحرب في سوريا، فلعبة “التمديد” نفسها هي السائدة حالياً إزاء كل من سياسة “النأي بالنفس” التي لم يعد من معنى لها، ومقولة “الجيش والشعب والمقاومة” التي ثبت أنها مجرد شعار للتغطية، فضلاً عن “إعلان بعبدا” الذي قيل إنه صدر بالإجماع ولم يلتزمه حتى بالكلام من يفترض أن يلتزم ما ورد فيه. كذلك هي الحال بالنسبة الى موقف الدولة من الحدث السوري، إن في الجامعة العربية أو في الأمم المتحدة أو لاحقاً في مؤتمر جنيف ـ 2 الذي سيدعى اليه لبنان كإإحدى دول الجوار المعنية بقضية النازحين من سوريا: “تمديد” الموقف السابق كما هو… لا نسمع ولا نرى، وطبعاً لا نتكلم!

وعلى خلفية ذلك، لا حاجة الى القول إن الدولة اللبنانية لم تسمع حتى الآن، ولن تسمع على الأقل في المستقبل المنظور، كل ما يقال في أوروبا عن إدراج الجناح العسكري لـ”حزب الله” في قائمة المنظمات الإرهابية، ولا حتى ما يقال عن مشاركة الحزب في تبييض الأموال على صعيد العالم. فالحزب، بالقوة المسلحة التي يملكها وبضعف الدولة الذاتي، هو جزء من تركيبة هذه الدولة، إن لم يكن هو الدولة بصورة غير رسمية، وما على العالم الخارجي، وحتى شعب هذه الدولة بالذات، إلا أن يتعاملا مع هذا الواقع كما هو.

باختصار، ما تفعله الدولة اللبنانية في الفترة الراهنة ليس سوى “تمديد” أزمتها ومسلسل أزمات البلد الى موعد آخر، معلنة بذلك لمن في ذهنه بقية عقل أنها مجرد دولة فاشلة بكل المقاييس. لكن الأنكى أن لبنان كبلد ووطن لبنيه، وليس الدولة أو الطبقة السياسية الحاكمة وحدهما، هو الضحية بنتيجة ذلك وفي النهاية.

وقديماً قال الشاعر العربي عن مثل هذه الحالة: “تسألين عن سقمي؟ صحتي هي العجب!”.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل