وضَعَ السيّد حسن نصرالله في خطابه الأخير بمناسبة ذكرى الخروج الإسرائيلي من لبنان معادلة جديدة: نتقاتل في سوريا ونحيّد لبنان، وبمعزل عن الجانب التبريري في هذه المعادلة إن لجهة المشاركة في القتال، أو لناحية ترييح الساحة اللبنانية بغية التفرّغ للمهمة السورية، يبقى أنّ جوهر ما قصده يكمن في أنّ القتال في لبنان هو لزوم ما لا يلزم لتأثّر وضعه تلقائيّاً بوهج ما سيحصل في سوريا، ففي حال انتصر النظام تُحكم بيروت مجدّداً من دمشق، وخلاف ذلك سيؤدّي إلى نشوء توازن جديد ربطاً بالمعطى السوري المستجدّ.
ولعلّ الفارق بين “حزب الله” و14 آذار أنّ الحزب يقاتل إلى جانب النظام دفاعاً عن خياره الإقليمي، فيما 14 تتّكئ على سواعد الثوّار مكتفية بالمراهنة على سقوط النظام، والكلام عن مشاركة دعماً للثورة لا يخرج عن سياق المشاركة الفردية بعيداً عن أيّ قرار مركزيّ. ولكنّ المشترك بين 8 و14 آذار، ومُكابر كلّ من لا يعترف بذلك، أنّ أوّليتهما حاليّاً سوريّة لا لبنانيّة، لسبب بسيط وموضوعيّ، وهو أنّ مؤدّيات المعركة السورية ستحدّد اتّجاهات الوضع اللبناني.
ومن هذا المنطلق تتحوّل الانتخابات النيابية إلى مجرّد تفصيل في هذا المشهد، فضلاً عن أنّها لا تقدّم ولا تؤخّر، بمعنى أن لا فوز 14 آذار بالأكثرية النيابية وحتى من دون بيضة القبّان الجنبلاطية قابل للصرف السياسي بفعل سلاح “حزب الله”، ولا فوز 8 آذار قابل للصرف أيضاً بفعل عاملين: عدم قدرة أيّ رئيس حكومي سنّي على تغطية دور الحزب في سوريا، وصعوبة اختراق الحزب للطائفة السنّية بعد الدور السعودي المركّز على جمع رؤساء الحكومات والوصول إلى وحدة صفّ داخل الطائفة، الأمر الذي تجلّى في مأدبة العشاء التي أقامها سفير المملكة العربية السعودية علي عواض عسيري لرؤساء الحكومات.
وأمّا الكلام عن ضرورة التمسّك بالمواعيد الدستورية وتداول السلطة ورفض التمديد خشيةً من تحويل الأزمة إلى أزمة نظام وفتح الباب أمام تعديلات دستورية، لا يخرج عن سياق الكلام الكلاسيكي والتمسّك بالشكليات على حساب جوهر الممارسة الديموقراطية. فالانتخابات مرادف للتغيير لا لتأبيد الوضع القائم، وتحوّلها إلى عنوان فارغ من أيّ مضمون يسيء إلى صورة النظام الديموقراطي أكثر من عدم إجراء الانتخابات نفسها، كون المسألة لا تقتصر فقط على إعادة إنتاج التوازنات نفسها، بل تتعدّاها إلى عدم القدرة على ترجمة نتائج هذه الانتخابات على مستوى تكوين السلطة.
ولا بل إنّ إجراء الانتخابات يشكّل مصلحة لفريق 8 آذار بغية إظهار أنّ سلاحه لا يعطّل النتائج المنبثقة عن هذه الانتخابات، تماماً على غرار الأنظمة الديكتاتورية التي تصرّ على ممارسة شكلية للديموقراطية في محاولة لإخفاء أو تمويه طبيعتها الحقيقية، وبالتالي إجراء الانتخابات شرطُه الوحيد والأساس في هذه الظروف أن يتعهّد “حزب الله” علناً بأن يفسح في المجال أمام 14 آذار، في حال فازت في الانتخابات، بتشكيل حكومة من لونها، وبيان وزاريّ يعبّر عن توجّهاتها، علماً أنّه على الرغم من ذلك لن تتمكّن من تطبيق مندرجات هذا البيان بفعل السلاح نفسه، ولذلك “فالج ما تعالج”.
وأمّا على مستوى المجتمع الدولي فأولوّيته اليوم لا انتخابات ولا من يحزنون، إنّما الحفاظ على الاستقرار من منطلق محاصرة الأزمة السورية ومنع تفشّيها وتحوّلها إلى حرب إقليمية تهدّد الاستقرار في المنطقة وتجرّ إلى تدخّل دوليّ مباشر ما زال هذا المجتمع يحاول أن ينأى بنفسه عنه. وأمّا لازمة احترام المواعيد الدستورية فلا تخرج عن لازمة احترام سيادة لبنان واستقلاله إبّان الوصاية السورية.
فبعد أن تحوّلت الانتخابات إلى مجرّد شاهد زور، من الأجدى التركيز فقط على الحدث السوري الذي وحده قادر على إعادة الاعتبار إلى الممارسة الديموقراطية الفعلية في لبنان. وفي الانتظار لا بأس من تشكيل حكومة من خارج 8 و14 آذار تضع في سلّم أولوّياتها إنقاذ ما يمكن إنقاذه اقتصاديّاً في ظلّ تصميم “حزب الله” على الدخول في مواجهة مع التكفيريّين، حسب قوله، مفترضاً أنّهم سيلتزمون بمسرح العمليات الذي حدّده في سوريا.
