أكمل صاروخا الضاحية ميدانياً ما كان تُوّج قبلهما سياسياً من إعلان مدوٍّ عن الانخراط “الواعي” في الحرب السورية. وهما يعلنان بصخب أقوى من صخب “الخطاب”، ما كان أعلنه ذلك “الخطاب” من أنّ “مرحلة جديدة” قد بدأت للتو في لبنان.. وعلى الجميع تحمّل مسؤولياتهم!
“تمتّع” اللبنانيون على مدى سنتين وثلاثة أشهر بترف المراوحة عند حافة الهاوية من دون النزول إليها، وظنّوا بتوليفة فيها شيء من العقل والكثير من التمنيات والآمال البريئات، أنّ كل الحسابات، (كلها!) كانت توصل إلى النتيجة الماسّية القائلة إنّ العجز السلبي المحلي الجمعي عن تغيير مجرى الأمور السورية، يفضي إلى النتيجة الإيجابية القاضية بتنظيم الخلاف السياسي اللبناني حيال تلك الأمور، وإبقائه عند الباب، وإذا سُمح له بالدخول (وذلك حصل) فليبق في حدود بعيدة عن النار.
وكان حديث المصلحة (مرّة أخرى) أقوى بهذا المعنى من كل الدأب الأسدي الباحث عن إشعال اللبنانيين بالنار السورية، قبل أن يتبيّن أخيراً وبوضوح في القصير وريف حمص، أنّ ذلك المُعطى المصلحي بالنسبة إلى “حزب الله” أساساً وأولاً وأخيراً، لم تكن له علاقة بالحساب المألوف عند باقي اللبنانيين، إنّما كان تعبيراً عن قرار بالانتظار: إذا تمكّن “الدكتور” في دمشق من إبقاء منحى المواجهات لمصلحته في أدنى الاحتمالات، أو حسمها في أقصاها، فحينها لا داعي لإعلان “الواجب الجهادي”. أما إذا حصل العكس (وقد حصل) فحينها لا بد من “تفعيل” التدخّل والنزول إلى الميدان.
لكن النزول غير الصعود. الأوّل سهل وانسيابي والثاني صعب ومتعرّج ومليء بالموانع. والواضح حتى الآن، أنّ “حزب الله” فوجئ بالممرّين النازل والصاعد دفعة واحدة. وربما (ربّما كبيرة) ارتكب خطيئة العمر: افترض ميدانياً أنّ السهولة التي سار فيها باتجاه القرى المحيطة بالقصير ستكون القانون الذي يحكم كل حركته في مناطق تدخّله وخصوصاً في تلك المدينة المنكوبة. وافترض سياسياً وإعلامياً أنّ شمّاعة مقاومة الإسرائيليين لا تزال تعمل، أو انّ عموم العرب والمسلمين لا يزالون يصدّقونها!
تناسلت من خطأ افتراضاته تلك، أخطاء موازية: لم يكتفِ بنفي ثورة السوريين واتهامهم بالجملة بأنّهم أدوات في مشروع أميركي صهيوني رأس حربته “القوى التكفيرية”! إنّما خرج بخطاب كان له وقع الصدمة على مليار و200 مليون مسلم وخصوصاً لدى تقديمه “الوعد بالانتصار” على السوريين، تماماً كما انتصر على الإسرائيليين!
في مقابل ذلك، تكشّف واقعياً، أنّ تقبّل جمهوره المباشر لقصّة “الواجب الجهادي” هذه لم يكن بالسلاسة المعهودة! ويعرف قادة “حزب الله” أكثر من كل الناس تفاصيل ذلك الكلام.. وبالتالي، كان لا بد من اللجوء إلى أحد أكثر الأساليب إيثاراً وتفضيلاً عندهم: اختراع الأعداء بالجملة والمفرّق، واعتماد المبالغة التعبوية في أعلى درجاتها، ثم جعل كل تفصيل مصيرياً، وفي رتبة الفناء والبقاء!
.. صاروخا الضاحية جزء من تلك العدّة! والله أعلم!