أشارت المعلومات إلى أنّ البطريرك قد وجّه كلاماً قاسي المضمون إلى عون، طارحاً عليه أربعة استفهامات متتالية:
أولاً: عاتبه كيف يتّفق معه في اجتماع 3 نيسان على السير في قانون توافقي على أساس طرح الرئيس نبيه برّي مع بعض التعديلات، ومن ثمّ يتراجع.
ثانياً: عاتبه كيف يرفض الولوج إلى مفاوضات مع “القوات اللبنانية” في الطرح التوافقي، وهي التي أخذت على عاتقها إقناع حلفائها وتحسين التمثيل المسيحي إلى حدوده القصوى، مع الحفاظ على الميثاق الوطني وحماية الوحدة وحقوق كل المكوّنات اللبنانية.
ثالثاً: عاتبه على تراجعه عن مقرّرات بكركي، ولكنّ البطريرك استغرب تراجع عون عن مسلّمات “الشركة والمحبة”، وسأله لماذا أطلق سهامه في اتجاه “القوات”، وأجرى عملية تخوين استتبعها رد قواتي عنيف. وأشارت المعلومات، في هذا السياق، إلى أن “القوات اللبنانية” هي التي عملت وحدها وجدّياً على إنجاز قانون انتخابي، أو بالحري انتزاع قانون انتخابي يؤمّن صحة التمثيل ويرضي المسيحيين ويعيد التوازن الحقيقي إلى السلطة.
رابعاً: عاتب البطريرك عون على موقفه الملتبس والمتردّد من تدخل “حزب الله” العسكري في سوريا، علماً أنّ الراعي هو صاحب نظرية الحياد إلى أبعد الحدود، وقد أعلنها مراراً وتكراراً في مواقف عدة في رحلته الأخيرة.
وفي الإطار عينه، قرأت مصادر متطابقة ما يحصل هذه الأسابيع بمعطيات ترتبط بتفاقم تدخل “حزب الله” في سوريا من جهة، ومحاولة عون تحقيق المكاسب القصوى على حساب تغطيته هذا التدخل، ووضعت مقاربة جديدة قد تنتجها الأسابيع المقبلة هذه أبرز ملامحها:
– التمديد للمجلس النيابي لمدة ستة أشهر وفقاً لاعتبارات بكركي والقوى المسيحية وعلى رأسها “القوات”، على أن يتم خلال هذه المدة العمل لإقرار قانون انتخاب توافقي والدفع باتجاه الانتخابات النيابية.
– الإصرار على تحييد لبنان عن الصراع، ولو في شقه الرسمي، عبر إبعاد “حزب الله” عن الحكومة، لفصل الرسمي عن الميليشيوي في لبنان وأمام الشرعية الدولية على الأقل.
– الضغط على عون لأخذ موقف واضح من الأحداث في سوريا، ومن اختراق السيادة اللبنانية عبر اختراق “حزب الله” السيادة السورية. وقد سأل مرجع ديبلوماسي أوروبي في هذا الإطار “ماذا ينتظر عون وتكتله للفصل بين المصلحة الآنية وبين المبدأ؟”، وأبدى هذا المرجع خشيته من أن تتخذ إجراءات دولية تصاعدية تطاول أي شخصية لبنانية تغطي نشاط “حزب الله” في سوريا سواء في أوروبا أو في العالم العربي الداعم للثورة السورية ضد نظام الأسد.
وفي حين طرحت المصادر نفسها أكثر من سؤال عن طريقة التعاطي مع المرحلة المقبلة، رأت أنّ الغموض سيبقى يلفّ مواقف “التيار الوطني الحرّ” الملتبسة حيال مختلف المواضيع، ما يعزّز حال الحذر حتى لدى الأقربين سواء بعض الأساقفة في الصرح البطريركي، أو رئيس تيار “المردة” النائب سليمان فرنجية…
وأمام هذا المشهد، غادر العماد عون الصرح البطريركي من دون أن يجيب عن السؤال المحوري الذي طرحته بكركي عن أسباب العودة إلى قانون الستين الذي يؤمّن 34 نائباً بأصوات المسيحيين، في حين أن القانون التوافقي يعطي المسيحيين بأصواتهم نحو 55 نائباً ويجعلهم أكثر انخراطاً في المجتمع الوطني، عوض أن يعجز قريب أو مناصر عن انتخاب مرشّح له ليس من طائفة أخرى فحسب، إنما من مذهب آخر داخل الطائفة الواحدة.