#adsense

المختار وراجح… ونصر الله والتكفيريون

حجم الخط

 

“تعا ولا تجي وكذوب عليي الكذبة مش خطية!”
(من مسرحية “بياع الخواتم”)

الكثيرون من جيلنا يحفظون عن ظهر قلب مسرحية “بياع الخواتم”، تلك الرائعة الرحبانية التي حوّلها يوسف شاهين إلى فيلم سينمائي، فقير في الإنتاج، ضعيف في الإخراج، ولكن من يسأل عن ذلك عندما تصدح فيروز ويلعلع صوت نصري شمس الدين؟

لكن لو عدنا لفهم قصة راجح لأدركنا أنها صورة هزلية عن واقع يتكرر بشكل كارثي عبر تاريخ الاجتماع الإنساني.
إنه يتمحور حول حاجة بعض المجتمعات إلى عدو أو خطر يتهددها، لتأمين تماسكها وليجمعها حول أسطورة مشتركة وشعارات موحدة وحول قائد أو زعيم واحد يصبح معصوماً لا رد لأوامره ولا جدال حول قراراته.

كذبة المختار حول راجح كانت طريفة وانتهت بعرس جمع الأحباب، وحتى فيروز، صاحبة المبادئ والمثل العليا، تفهمت مبررات كذبة خالها المختار الذي كان يحتاج الى قصة أو قضية، ليصبح هو مصدر الخبر الوحيد الذي يتحلّق حوله أبناء الضيعة فيهتفون بحياته ويتغزلون بصفاته لأنه حامي الناس من وحش راجح.

راجح حسن نصر الله هو “التكفيريون”، إنه الوحش الذي يحاول إيهام الناس بأنه مصدر الخطر الوحيد عليهم، ليسوغ سوق المئات من أتباعه إلى المحرقة، وليسوغ إدخال لبنان بأجمعه في المحرقة.

لست أدري لماذا تعود إلى ذاكرتي صورة مضلل آخر كبير اسمه “أدولف هتلر” وهو يخطب في جموع بمئات الآلاف في ساحات ميونيخ أو برلين يهتفون “سيغ هايل” و”هايل هتلر”، أي عاش النصر وعاش هتلر، فيما كان الزعيم الملهم المؤله يسوق الملايين من الشباب الألماني إلى ساحات القتل والموت!

“هيهات منا الذلة” و”لبيك نصر الله”، صحيح أن الجموع أقل بكثير، والقائد الملهم يظهر في شاشات ضخمة بدل المنصة، ولكنه المشهد المأسوي ذاته يتكرر عبر التاريخ، قادة أشبه بآلهة، تكفي حركة من أطراف شفاههم لتشكل الفرق بين الحياة والموت، بين الأمل واليأس، بين إنسان يبني مستقبله ومشروع شهيد يلتف بكفنه في معركة أسطورية في مواجهة راجح ما أو تكفيريين أو شيطان أكبر.

لقد حوّل حسن نصر الله وحزبه ووليه الفقيه، مجتمعاً بأكمله إلى أداة في يد مؤسسة الشهيد تصنف الناس كشهداء موعودين بالجنة إن هم ماتوا بأمر من السيد حتى ولو تلوثت أيديهم بدماء آخرين موعودين أيضاً بالجنة.

لم أفهم كيف يمكن لمجتمع بكامله أن يتقبل الصلف والتجبر والاستكبار في حديث نصر الله عمن يقبل به ليصبح مشروع شهيد ومن يرفضه، وأنكر حتى حق الأب بأن يحترق قلبه على فلذات أكباده. قال السيد إنه لا يسمح للابن الوحيد بأن يذهب للقتال حتى ولو وافق والداه على منح روحه لأوامره المقدسة! فتصورت مشهداً من عصور الوثنية تأتي الجموع فيه إلى القادر المحتكم بمصيرهم، لترجوه بأن يتقبل زهرات أبنائها وهو يصنفها قبولاً أو رفضاً بإشارة من إصبع يده، فيعفو عمن يشاء ويحكم على من يشاء.

أنا لا أريد أن أوحي بكلامي بأن التكفيريين هُم وَهم اخترعه نصر الله، ولكن الإيحاء بأن هؤلاء هم فقط من فئة واحدة تواجه نظام بشار الأسد فهذا التضليل بعينه. فحزب السيد نفسه تكفيري لأنه يعتبر كل من لا يتبع عقيدته أو ينتقدها أو يعاديها كافر أو خائن أو عميل.

ونظام بشار تكفيري لأنه يعتبر كل من لا يؤله حافظ الأسد تكفيرياً وعميلاً وخائناً. ونظام ولاية الفقيه تكفيري لأنه يعتبر أي انتقاص من عصمته أو انتقاد له بمثابة المسّ بأساس الإيمان وبالتالي الكفر. والتكفيريون يعتبرون أن من لا يرخي لحيته ولا يحلق شاربيه ولا يعصب عصبة سوداء على جبهته هو كافر.

بالنتيجة كلهم يقرأون في كتاب واحد ويشربون من نبع واحد ويفهمون العالم من منظار واحد، بعضهم انفعالي صادق يعبّر بوضوح عن مكنونات صدره، وآخرون يدسّون السمّ في الدّسم ويظهرون بلباس العاقل المتفهم المنفتح إلى أن يتحكموا فيتحوّلون إلى شر مستطير.

الآن وصلت القصة إلى نهايتها الحتمية، وسيدافع نصر الله عن مصير ولاية الفقيه حتى آخر نفس من أنفاس القرابين البشرية التي نذرتها الجموع المأخوذة لخدمة الأسطورة، ولكن ماذا سيفعل وماذا سيقول للآلاف الذين فرختهم مؤسسة الشهيد على مدى ثلاثة عقود عند ظهور راجح وانكشاف الكذبة؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل