عطفاً على المقال الوارد في صحيفة “الديار” الصادرة صباح يوم الإثنين 27 أيار للصحافي ياسر الحريري تحت عنوان: “الارثوذكسي فرصة مسيحية لن تتكرر”، إن اكثر ما حيّرنا في هذا المقال هو قول الشيء ونقيضه في آن. فالصحافي ياسر الحريري يُلقي باللائمة على الدكتور جعجع بسبب رفضه “إقتراح قانون الأرثوذكسي”، ثم يلومه مجدداً، لأنه وافق عليه في البدء!
في الحقيقة، إن الدكتور سمير جعجع، وحرصاً منه على إجتراح القانون الإنتخابي الأفضل للتمثيل المسيحي، كان اول من طرح “الأرثوذكسي” خلال إجتماعات الأقطاب الموارنة في بكركي في كانون الأول 2011. ولكن عندما تبيّن للجميع، بما فيهم الصرح البطريركي بالذات، ان هذا الطرح غير قابلٍ للحياة، بفعل رفض الأطراف الإسلامية المطلق له، عاد البطريرك مار بشاره الراعي، وطلب من الأقطاب الموارنة البحث عن بدائل ميثاقية. ومن هنا جاء اقتراح قانون المختلط الذي يُوفّر للمسيحيين 54 نائباً كحدٍّ ادنى.
لقد التبست بعض المفاهيم في القانون الدستوري، على كاتب المقال، لجهة مزجه بين “اقتراح الأرثوذكسي” من جهة، وبين “الفدرالية” من جهةٍ ثانية. في الواقع، يوجد اختلافٌ جذري بين المفهومين، لأن “الفدرالية” تتعلّق بشكل الدولة، اي تحويلها من مركزية الى لامركزية، اما القوانين الإنتخابية فتُعنى بتوزيع السلطة داخل هذه الدولة حصراً.
من هنا لا يصّح التلميح بأن الدكتور جعجع اقترح “الأرثوذكسي” على اعتباره “قانوناً للفدرلة”، ذلك ان الدكتور جعجع عندما طرح هذا الإقتراح في بادئ الأمر، كان يريد تصحيح التمثيل المسيحي من ضمن النظام اللبناني فحسب، من دون المسّ بشكل الدولة اللبنانية.
وبالعودة الى اجتماعات لجنة بكركي، فمن جملة ما تم الإتفاق عليه في بكركي، كان الرفض التام لقانون الستين على اعتباره يؤدي الى الإمعان في تهميش التمثيل المسيحي. مع العلم بأن ما شهدناه أخيراً، من هرولةٍ نحو قانون الستين، يُثبت ان بعض المشاركين في اجتماعات بكركي، كان يضمر عكس ما يعلن، سواء امام البطريرك الراعي، او امام الرأي العام.
لقد اُقّر الرأي في بكركي اواخر العام 2011، على استحالة السير قُدماً في “اقتراح قانون الأرثوذكسي”، لذلك راحت القوات، بكل نية صادقة، تبحث عن قانونٍ انتخابي، يحظى بموافقة المسلمين، ويؤمن بالتوازي، الحد الأقصى من التمثيل المسيحي الصحيح، ولكن كما يقول المثل الشعبي “نيّة الجمل كانت في مكان ونيّة الجمّال في مكانٍ آخر”.
القوات كانت تسعى بكل ما اوتيت من جَلَدٍ وتعبٍ وكدّ ومفاوضات، للوصول الى نتيجةٍ مُرضية للجميع، فيما التيار العوني كان، بالإفتراء، والتدجيل، والدعائية، والتحريض، “يحفر لها حفرةً” امام شعبها والرأي العام. ولكن في النهاية “لم يصّح إلاّ الصحيح”، فتكشّفت مؤامرة التيار العوني لإعادة إحياء قانون الستين على حقيقتها، فوقع هو نفسه، امام الرأي العام، في الحفرة التي اراد إيقاع القوات بها.
بتاريخ 3 نيسان 2013 اتفقّت لجنة بكركي على تعليق العمل بـ”اقتراح قانون الأرثوذكسي”، لحين إيجاد البديل. من هنا كثّفت القوات اللبنانية اتصالاتها ومفاوضاتها بالحلفاء من اجل الوصول الى قانونٍ إنتخابي منُصف وعادل، وذلك في محاولةٍ منها لقطع الطريق امام إحياء قانون الستين من جديد، وقد نجحت القوات بالتوصّل الى “إقتراح قانون المختلط” الذي يؤمن تمثيلاً عادلاً للجميع، ويتوخّى الغموض البنّاء، لجهة استحالة معرفة هوية القوى التي ستفوز في الإنتخابات مسبقاً.
ولكن مع ذلك، شنّ التيار العوني وبعض حلفائه في 8 آذار حملة افتراء مُحضّرة سلفاً متهّمين القوات بالتخلّي عن الأرثوذكسي والإنقلاب على وعودها، مع العلم بأن الدكتور جعجع لم يتراجع عن اي شيء، فهو كان واضحاً منذ لحظة تعليق العمل بالأرثوذكسي في لجنة بكركي: “اولويتنا هي إيجاد قانونٍ يؤمن إجماعاً وطنياً”. وقد صدّق دولة الرئيس ايلي الفرزلي على هذه الواقعة.
إن الخيار المطروح اليوم، ينحصر بين “المختلط” الذي يؤمن 54 نائباً بأصوات المسيحيين، وبين قانون “رديّنا الحق لأصحابو” الذي أعاد العماد عون إحيائه في الدوحة، والذي لا يؤمن أكثر من 34 نائباً بأصوات المسيحيين.
من هنا كانت مناشدة القوات اللبنانية جميع الأطراف الى تحمّل مسؤولياتها التاريخية امام الرأي العام، والذهاب الى الهيئة العامة من اجل التصويت على ما هو افضل للتمثيل المسيحي، وبالتالي منع قانون الستين من الإنبعاث حيّاً مجدداً.
فاقتضى التوضيح